الشوكاني

252

نيل الأوطار

حضرت صلاة العصر فقصرها واستمر يقصر إلى أن رجع . قوله : إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال اختلف في تقدير الميل ، فقال في الفتح : الميل هو من الأرض منتهى مد البصر ، لان البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه وبذلك جزم الجوهري ، وقيل : إن ينظر إلى الشخص في أرض مستوية فلا يدري أرجل هو أم امرأة ، أو ذاهب أو آت ؟ قال النووي : الميل ستة آلاف ذراع ، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة ، والإصبع ست شعيرات معترضة معتدلة . قال الحافظ : وهذا الذي قال هو الأشهر . ومنهم من عبر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الانسان . وقيل : هو أربعة آلاف ذراع . وقيل : ثلاثة آلاف ذراع ، نقله صاحب البيان . وقيل : خمسمائة وصححه ابن عبد البر . وقيل : ألفا ذراع . ومنهم من عبر عن ذلك بألف خطوة للجمل ، قال : ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحريره قد حرره غيره بذراع الحديد المشهور في مصر والحجاز في هذه الاعصار ، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن . فعلى هذا فالميل بذراع الحديد في القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعا . قوله : أو ثلاثة فراسخ الفرسخ في الأصل السكون ذكره ابن سيده . وقيل : السعة . وقيل : الشئ الطويل ، وذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب وهو ثلاثة أميال . ( واعلم ) أنه قد وقع الخلاف الطويل بين علماء الاسلام في مقدار المسافة التي يقصر فيها الصلاة ، قال في الفتح : فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحوا من عشرين قولا أقل ما قيل في ذلك يوم وليلة ، وأكثره ما دام غائبا عن بلده . وقيل : أقل ما قيل في ذلك الميل كما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر ، وإلى ذلك ذهب ابن حزم الظاهري ، واحتج له بإطلاق السفر في كتاب الله تعالى كقوله : * ( وإذا ضربتم في الأرض ) * ( النساء : 101 ) الآية ، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فلم يخص الله ولا رسوله ولا المسلمون بأجمعهم سفرا من سفر ، ثم احتج على ترك القصر فيمدون الميل بأن النبي ( ص ) قد خرج إلى البقيع لدفن الموتى ، وخرج إلى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصر ولا أفطر . وذكر في المحلى من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء في تقدير مسافة القصر أقوالا كثيرة لم يحط بها غيره ، واستدل لها ورد تلك الاستدلالات . وقد أخذ بظاهر حديث أنس المذكور في الباب الظاهرية كما قال النووي ، فذهبوا إلى أن أقل مسافة القصر ثلاثة أميال ، قال في الفتح : وهو أصح حديث ورد في ذلك وأصرحه ، وقد حمله من خالفه على أن المراد المسافة التي