الشوكاني

210

نيل الأوطار

عندنا إجماع الصحابة ، ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف لهؤلاء الأربعة لا بإسناد متصل ولا منقطع ، فكأن الصحابة أجمعوا على أن الامام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين أن يصلوا قعودا ، وقد أفتى به من التابعين جابر بن زيد وأبو الشعثاء ، ولم يرو عن أحد من التابعين أصلا خلافه ، لا بإسناد صحيح ولا واه ، فكأن التابعين أجمعوا على إجازته ، قال : وأول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا المغيرة بن مقسم صاحب النخعي ، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ، ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة ، وتبعه عليه من بعده من أصحابه ، انتهى كلام ابن حبان . وحكى الخطابي في المعالم والقاضي عياض عن أكثر الفقهاء خلاف ذلك . وحكى النووي عن جمهور السلف خلاف ما حكى ابن حزم عنهم ، وحكاه ابن دقيق العيد عن أكثر الفقهاء المشهورين . وقال الحازمي في الاعتبار ما لفظه : وقال أكثر أهل العلم : يصلون قياما ولا يتابعون الامام في الجلوس . وقد أجاب المخالفون لأحاديث الباب بأجوبة : أحدها دعوى النسخ قاله الشافعي والحميدي وغير واحد ، وجعلوا الناسخ ما تقدم من صلاته ( ص ) في مرض موته بالناس قاعدا وهم قائمون خلفه ولم يأمرهم بالقعود ، وأنكر أحمد نسخ الامر بذلك وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين : إحداهما إذا ابتدأ الامام الراتب الصلاة قاعدا لمرض يرجى برؤه ، فحينئذ يصلون خلفه قعودا . ثانيتهما : إذا ابتدأ الامام الراتب قائما لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياما ، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدا أم لا ، كما في الأحاديث التي في مرض موته ( ص ) ، فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة ، لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة قائما وصلوا معه قياما ، بخلاف الحالة الأولى فإنه ( ص ) ابتدأ الصلاة جالسا ، فلما صلوا خلفه قياما أنكر عليهم . ويقوي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ ، لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم النسخ مرتين ، لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدا ، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدا ، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع