الشوكاني
193
نيل الأوطار
حجة لمن قال : يقدم في الإمامة الأقرأ على الأفقه ، وإليه ذهب الأحنف بن قيس وابن سيرين والثوري وأبو حنيفة وأحمد وبعض أصحابهما . وقال الشافعي ومالك وأصحابهما والهادوية : الأفقه مقدم على الأقرأ . قال النووي : لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط ، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط ، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه ، وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه . قال الشافعي : المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره كان أقرؤهم أفقههم ، فإنهم كانوا يسلمون كبارا ويتفقهون قبل أن يقرؤوا ، فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه ، وقد يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ لكن قال النووي وابن سيد الناس : أن قوله في الحديث : فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة دليل على تقديم الأقرأ مطلقا ، وبه يندفع هذا الجواب عن ظاهر الحديث ، لأن التفقه في أمور الصلاة لا يكون إلا من السنة ، وقد جعل القارئ مقدما على العالم بالسنة ، وأما ما قيل من أن الأكثر حفظا للقرآن من الصحابة أكثر فقها فهو وإن صح باعتبار مطلق الفقه لا يصح باعتبار الفقه في أحكام الصلاة ، لأنها بأسرها مأخوذة من السنة قولا وفعلا وتقريرا ، وليس في القرآن إلا الامر بها على جهة الاجمال ، وهو مما يستوي في معرفته القارئ للقرآن وغيره . وقد اختلف في المراد من قوله : يؤم القوم أقرؤهم فقيل : المراد أحسنهم قراءة وإن كان أقلهم حفظا . وقيل : أكثرهم حفظا للقرآن ، ويدل على ذلك ما رواه الطبراني في الكبير ، ورجاله رجال الصحيح عن عمرو بن سلمة قال : انطلقت مع أبي إلى النبي ( ص ) بإسلام قومه ، فكان فيما أوصانا : ليؤمكم أكثركم قرآنا فكنت أكثرهم قرآنا فقدموني . وأخرجه أيضا البخاري وأبو داود والنسائي ، وسيأتي في باب ما جاء في إمامة الصبي . قوله : فإن كانوا في القراءة سواء أي استووا في القدر المعتبر منها ، إما في حسنها أو في كثرتها وقلتها على القولين ، ولفظ مسلم : فإن كانت القراءة واحدة . قوله : فأعلمهم بالسنة فيه أن مزية العلم مقدمة على غيرها من المزايا الدينية . قوله : فأقدمهم هجرة الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره ( ص ) ، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة ، كما وردت بذلك الأحاديث وقال به الجمهور . وأما حديث : لا هجرة بعد الفتح فالمراد به الهجرة من مكة إلى المدينة ، أو لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل