علي الأحمدي الميانجي
193
مواقف الشيعة
اللفظ بالبداء في قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، لأنها كشفت لهما عن علم متجدد ظهر لهما كان ظنهما سواه ، وهو إزالة هذا التكليف بعد تعلقه والنهي عن الذبح بعد الامر به . قال : أفتقول : إن الله تعالى أراد الذبح لما أمر بن أم لم يرده ؟ واعلم أنك إن قلت : انه لم يرده ، دخلت في مذاهب المجبرة لقولك : إن الله تعالى أمر بما لا يريده ، كذلك إن قلت : انه أراده ، دخلت في مذاهبهم أيضا من حيث أنه نهى عما أراده فما خلاصك من هذا ؟ فقلت له : هذه شبهة يقرب أمرها ، والجواب عنها لازم لنا جميعا لتصديقنا بالقصة وإقرارنا بها ، وجوابي فيها : أن الذبح في الحقيقة هو تفرقة الاجزاء ، ثم قد تسمى الافعال التي في مقدمات الذبح مثل القصد والاضجاع وأخذ الشفرة ووضعها على الحلق ونحو ذلك ذبحا مجازا واتساعا ، ونظير هذا أن الحاج في الحقيقة هو زائر بيت الله تعالى على منها ما قررته الشريعة من الاحرام والطواف والسعي ، وقد يقال لمن شرع في حوائجه لسفره في حوائجه من قبل أن يتوجه إليه أنه حاج اتساعا ومجازا . فأقول : إن مراد الله تعالى فيما أمر به لخليله إبراهيم عليه السلام من ذبح ولده ، إنما كان مقدمات الذبح من الاعتقاد أولا والقصد ثم الاضجاع للذبح ، وترك الشفرة على الحلق ، وهذه الأفعال الشاقة التي ليس بعدها غير الاتمام بتفرقة أجزاء الحلق ، وعبر عن ذلك بلفظ الذبح ، ليصح من إبراهيم عليه السلام الاعتقاد له والصبر على المضض فيه الذي يستحق جزيل الثواب عليه ، ولو فسر له في الامر المراد على التعيين لما صح منه الاعتقاد للذبح ، ولا كان ما أمر به شاقا يستحق عليه المدح والثناء ، والمدح لعظيم الاجر ، والذي نهى الله تعالى عنه هو الذبح في الحقيقة ، وهو الذي لم تبق غيره ، ولم تتعلق الإرادة قط به ، فقد صح بهذا أن الله تعالى لم يأمر بما لا يريد ولا نهى عما أراد ، والحمد لله .