الشوكاني

85

نيل الأوطار

يصلح جعله جسرا تذاد عنه الأحاديث الواردة في تحريم مطلق الحرير ومقيده ؟ وهل ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم مع ما في إسناده من الضعف الذي يوجب سقوط الاستدلال به على فرض تجرده عن المعارضات ؟ فرحم الله ابن دقيق العيد فلقد حفظ الله به في هذه المسألة أمة نبيه عن الاجماع على الخطأ ، ويمكن أن يقال : إن خصيفا المذكور في إسناد الحديث قد وثقه من تقدم واعتضد الحديث بوروده من وجهين آخرين : أحدهما صحيح والآخر حسن كما سلف ، فانتهض الحديث للاحتجاج به . ( فإن قلت ) : قد صرح الحافظ ابن حجر أن عهدة الجمهور في جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير أغلب ما وقع في تفسير الحلة السيراء . ( قلت ) : ليس في أحاديث الحلة السيراء ما يدل على أنها حلال بل جميعها قاضية بالمنع منها كما في حديث عمر وعلي وغيرهما مما سلف ، فإن فسرت بالثياب المخلوطة بالحرير كما قال جمهور أهل اللغة كانت حجة على الجمهور لا لهم ، وإن فسرت بأنها الحرير الخالص فأي دليل فيها على جواز لبس المخلوط ، وهكذا إن فسرت بسائر التفاسير المتقدمة . ( والحاصل ) أنه لم يأت المدعون للحل بشئ تركن النفس إليه ، وغاية ما جادلوا به أنه قول الجمهور وهذا أمر هين والحق لا يعرف بالرجال . وأما دعوى الاجماع التي ذكرها صاحب البحر فما هي بأول دعاويه ، على أن الراجح عند من أطلق نفسه عن وثاق العصبية الوبية عدم حجية الاجماع إن سلم إمكانه ووقوعه ونقله والعلم به وإن كان الحق منع الكل . وأحسن ما يستدل به على الجواز حديث عبد الله بن سعد المتقدم في لبس عمامة الخز لما في النهاية من أن الخز الذي كان على عهده ( ص ) مخلوط من صوف وحرير . وقال في المشارق : إن الخز ما خلط من الحرير والوبر كما تقدم ، لولا أنه يمنع من صلاحيته للاحتجاج به على المطلوب ما أسلفناه في شرحه ، على أن النزاع في مسمى الخز بمجرده مانع مستقل . وعن علي عليه السلام قال : أهدي لرسول الله ( ص ) حلة مكفوفة بحرير إما سداها وإما لحمتها فأرسل بها إلي فأتيته فقلت : يا رسول الله ما أصنع بها ألبسها ؟ قال : لا ولكن اجعلها خمرا بين الفواطم . الحديث في إسناده يزيد بن أبي زياد وفيه مقال معروف ، وأما هبيرة بن يريم الراوي له عن علي فقد وثقه ابن حبان ، وقد أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والبيهقي والدورقي . قوله : بين الفواطم قد تقدم ذكر أسمائهن في شرح حديث علي