الشوكاني
158
نيل الأوطار
ودعوى أنه بدعة مستحسنة باطلة ، وقد عرفناك وجه بطلانها في شرح حديث : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد في باب الصلاة في ثوب الحرير والغصب ودعوى أنه مرغب إلى المسجد فاسدة ، لأن كونه داعيا إلى المسجد ومرغبا إليه ، لا يكون إلا لمن كان غرضه وغاية قصده النظر إلى تلك النقوش والزخرفة ، فأما من كان غرضه قصد المساجد لعبادة الله التي لا تكون عبادة على الحقيقة إلا مع خشوع ، وإلا كانت كجسم بلا روح ، فليست إلا شاغلة عن ذلك ، كما فعله صلى الله عليه وآله وسلم في الانبجانية التي بعث بها إلى أبي جهم . وكما تقدم من هتكه للستور التي فيها نقوش . وكما سيأتي في باب تنزيه قبلة المصلي عما يلهي ، وتقويم البدع المعوجة التي يحدثها الملوك ، توقع أهل العلم في المسالك الضيقة فيتكلفون لذلك من الحجج الواهية ما لا ينفق إلا على بهيمة . وعن أنس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد رواه الخمسة إلا الترمذي . وقال البخاري : قال أبو سعيد : كان سقف المسجد من جريدة النخل ، وأمر عمر ببناء المسجد وقال : أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس . الحديث صححه ابن خزيمة ، وأورده البخاري عن أنس تعليقا بلفظ : يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا ووصله أبو يعلى الموصلي في مسنده . وروى الحديث أبو نعيم في كتاب المساجد من الوجه الذي عند ابن خزيمة بلفظ : يتباهون بكثرة المساجد . قوله : حتى يتباهى الناس في المساجد أي يتفاخرون في بناء المساجد ، والمباهاة بها كما في رواية البخاري أن يتفاخروا بها بالنقش والكثرة . وروي في شرح السنة بسنده عن أبي قلابة قال : غدونا مع أنس بن مالك إلى الزاوية فحضرت صلاة الصبح فمررنا بمسجد فقال أنس : أي مسجد هذا ؟ قالوا : مسجد أحدث الآن ، فقال أنس : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : سيأتي على الناس زمان يتباهون في المساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا . قوله : وقال أكن الناس قال الحافظ : وقع في روايتنا أكن الناس بضم الهمزة وكسر الكاف وتشديد النون المضمومة بلفظ المضارع من أكن الرباعي ، يقال : أكننت الشئ اكنانا أي صنته وسترته ، وحكى أبو زيد : كننته من الثلاثي بمعنى أكننته ، وفرق الكسائي بينهما فقال : كننته أي سترته ، وأكننته في نفسي أي أسررته . ووقع في رواية الأصيلي أكن بفتح الهمزة والنون فعل أمر من الأكنان أيضا ، ويرجحه قوله قبله : وأمر عمر ، وقوله بعده : وإياك ، وتوجه الأولى بأنه خاطب القوم بما أراد ، ثم التفت إلى الصانع فقال له :