الشوكاني

157

نيل الأوطار

الطيبي في شرح المشكاة أنهما حديث واحد ، فشرحه على أن اللام في لتزخرفنها مكسورة ، قال : وهي لام التعليل للمنفي قبله ، والمعنى : ما أمرت بالتشييد ليجعل ذريعة إلى الزخرفة ، قال : والنون فيه لمجرد التأكيد وفيه نوع تأنيب وتوبيخ ، ثم قال : ويجوز فتح اللام على أنها جواب القسم . قال الحافظ : وهذا يعني فتح اللام هو المعتمد ، والأول لم تثبت به الرواية أصلا فلا يغتر به . وكلام ابن عباس فيه مفصول من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب المشهورة وغيرها انتهى . والزخرفة الزينة ، قال محيي السنة : إنهم زخرفوا المساجد عندما بدلوا دينهم وحرفوا كتبهم ، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم ، وسيصير أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة بتشييدها وتزيينها ، قال أبو الدرداء : إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم . قال ابن رسلان : وهذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لاخباره صلى الله عليه وآله وسلم عما سيقع بعده ، فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس ، بأخذهم أموال الناس ظلما وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع ، نسأل الله السلامة والعافية انتهى . ( والحديث ) يدل على أن تشييد المساجد بدعة ، وقد روي عن أبي حنيفة الترخيص في ذلك . وروي عن أبي طالب أنه لا كراهة في تزيين المحراب . وقال المنصور بالله : انه يجوز في جميع المسجد . وقال البدر بن المنير : لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن الاستهانة ، وتعقب بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية فهو كما قال ، وإن كان لخشية شغل بال المصلي بالزخرفة فلا لبقاء العلة . ومن جملة ما عول عليه المجوزون للتزيين بأن السلف لم يحصل منهم الانكار على من فعل ذلك ، وبأنه بدعة مستحسنة ، وبأنه مرغب إلى المسجد ، وهذه حجج لا يعول عليها من له حظ من التوفيق ، لا سيما مع مقابلتها للأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه نوع من المباهاة المحرمة ، وأنه من علامات الساعة كما روي عن علي عليه السلام . وأنه من صنع اليهود والنصارى ، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يحب مخالفتهم ويرشد إليها عموما وخصوصا . ودعوى ترك إنكار السلف ممنوعة لأن التزيين بدعة أحدثها أهل الدول الجائرة من غير مؤاذنة لأهل العلم والفضل ، وأحدثوا من البدع ما لا يأتي عليه الحصر ولا ينكره أحد ، وسكت العلماء عنهم تقية لا رضا ، بل قام في وجه باطلهم جماعة من علماء الآخرة ، وصرخوا بين أظهرهم بنعي ذلك عليهم