مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
25
تفسير مقتنيات الدرر
فلو قيل : إنّه تعالى قد يستجيب دعاء الكافر فما فائدة التخصيص للمؤمنين ؟ فالجواب إنّ إجابة دعاء المؤمنين وذكر التخصيص على سبيل التشريف لكن إجابة دعاء الكافر في الدنيا دون الآخرة وهي على سبيل الاستدراج بل * ( [ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ] ) * . ولمّا بيّن أنّه يزيد المؤمنين من فضله أخبر أنّ توسعة الأرزاق وتغيّرها تكون على حسب المصالح فقال : * ( [ وَلَوْ بَسَطَ اللَّه ُ الرِّزْقَ لِعِبادِه ِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ ] ) * أي لو وسع الرزق على حسب ما يطلبونه لبطروا وتغالبوا وظلموا في الأرض وخرجوا عن الاستقامة في دنياهم وتغلَّب بعضهم على بعض قال ابن عبّاس : بغيهم في الأرض طلبهم منزلة بعد منزلة ودابّة بعد دابّة وملبسا بعد ملبس ولا يقفون على حدّ وهذه الآية كأنّها جواب عن قوله : « وَيَسْتَجِيبُ » وهو أنّ المؤمن قد يكون في شدّة ومحنة وفقر ثمّ يدعو فلا يجاب ولا يشاهد أثر الإجابة فأجاب سبحانه « وَلَوْ بَسَطَ اللَّه ُ الرِّزْقَ » . قال بطل الاعتزال الجبّائيّ : إنّ هذه الآية تدلّ على بطلان قول المجبّرة من وجهين : الأول : أنّ حاصل الكلام أنّه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض فالبغي في الأرض غير مراد فبسط الرزق لهذه الجهة غير حاصل وهذا الكلام يصحّ ويتمّ إذا قلنا إنّه لا يريد البغي في الأرض فثبت فساد قول المجبّرة . الثاني أنّه تعالى بيّن أنّه إنّما لم يرد بسط الرزق لأنّه يفضي إلى المفسدة فلمّا بيّن أنّه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريدا للمفسدة أولى وبالجملة فالعقل يحكم بحصول البغي في بسط الرزق وأقلّ ما فيه خراب العالم في انتظامه لأنّه لو بسط الرزق وسوّى في الرزق بين الكلّ لامتنع كون البعض خادما للبعض ولو صار الأمر كذلك لتعطلَّت المصالح وانفصمت الأمور بالكلَّيّة . ثمّ إنّ النفوس إذا كانت شريرة فاقدة الآلات والأدوات كان الشرّ يصدر منه قليلا كما أنّ العرب كانت كلَّما اتّسع أرزاقهم ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلاء والعشب ما يشبعهم أقدموا على الغارات والنهب والإنسان متكبّر بالطبع فإذا وجد الغنى