مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

18

تفسير مقتنيات الدرر

ثمّ أعاد البشارة « 1 » فقال : * ( [ ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّه ُ عِبادَه ُ ] ) * أي ذلك الثواب والفضل الكبير الَّذي يبشّر اللَّه به عباده المؤمنين العاملين بالأعمال الصالحة ليستعجلوا بذلك السرور في الدنيا وكيف لا يكون ذلك الثواب فضلا كبيرا إذ نالوا نعيما لا ينقطع بعمل قليل منقطع ؟ قوله تعالى : يا محمّد * ( [ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه ِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ] ) * روي أنّه اجتمع المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض : أترون أنّ محمّدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا فنزلت الآية أي لا أطلب منكم على ما أنا عليه من التبليغ نفعا وأجرا إلَّا المودّة في القربى . وقيل : الاستثناء منقطع أي لا أطلب الأجر لكن أسألكم المودّة . واختلف في معناه على أقوال : أحدها : لا أسألكم على التبليغ وتبليغ الشريعة أجرا إلَّا التوادّ والتحابّ فيما يقرّب إلى اللَّه من العمل الصالح عن الحسن والجبّائيّ وأبي مسلم قالوا : المراد هو التقرّب إلى اللَّه والتودّد إليه بالطاعة . وثانيها : أنّ معناه إلَّا أن تودّوني في قرابتي منكم وتحفظوني لها ، عن ابن عبّاس وقتادة ومجاهد وجماعة ، قال الشعبيّ : سألنا ابن عبّاس عن الآية قال : إنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلَّا وقد ولَّده ، فقال اللَّه : قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا إلَّا أن تودّوني لقرابتي منكم فيصير المعنى : إنّكم قومي وأحقّ من إجابتي وإطاعتي فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حقّ النسب ولا تؤذوني ولا تهيّجوا عليّ . القول الثالث : روى الكلبيّ عن ابن عبّاس قال : إنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله لمّا قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار : إنّ هذا الرجل صلَّى اللَّه عليه وآله

--> ( 1 ) بل البشارة انما هي باعتبار ما بعدها من أجر الرسالة ولذلك قال في أول السورة ان الآية وما بعدها إلى أربع آيات نزلت بالمدينة فالبشارة للمؤمنين المصاحبين لأجل انه لم يسأل على أداء رسالته أجرا بل ألزمهم المودة في القربى فقط وهي عبادة وحسنة وأما ما قيل من أن المراد من القربى قرابته من قريش فهذا غلط فان المخاطبين بذلك القول المسلمون وهم يحبونه صلَّى اللَّه عليه لمقام الرسالة والهداية لا لقرابة النسب ، والنسب في جنب الرسالة والهداية شيء لا يعبأ به مع أن محبة المسلمين له صلَّى اللَّه عليه وآله أمر ثابت لا يحتاج إلى أي تشويق .