مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

8

تفسير مقتنيات الدرر

ومن يعدل من هؤلاء الجنّ المسخّرين نذقه عذاب النار في الآخرة وفي الآية دلالة على أنّهم قد كانوا مكلَّفين . وقيل : معناه نذقه عذاب النار في الدنيا وأنّ اللَّه سبحانه وكلّ بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته . قوله : * ( [ يَعْمَلُونَ لَه ُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ ] ) * وهي بيوت العبادة أو البيوت الشريفة العالية وكان ممّا عملوه بيت المقدس وقد كان اللَّه عزّ وجلّ سلَّط على بني إسرائيل الطاعون فهلك خلق كثير في يوم واحد فأمرهم داود أن يغتسلوا ويبرزوا إلى الصعيد بالذراريّ والأهلين ويتضرّعوا إلى اللَّه لعلَّه يرحمهم وذلك صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد وارتفع داود فوق الصخرة فخرّ ساجدا يبتهل إلى اللَّه وسجدوا معه فلم يرفعوا رؤوسهم حتّى كشف اللَّه عنهم الطاعون . فلمّا أن شفّع اللَّه داود في بني إسرائيل جمعهم داود بعد ثلاث وقال لهم : إنّ اللَّه قد منّ عليكم ورحمكم فجدّدوا له شكرا بأن تتّخذوا من هذا الصعيد الَّذي رحمكم اللَّه فيه مسجدا ففعلوا وأخذوا في بناء بيت المقدس وكان داود ينقل الحجارة لهم على عاتقه وكذلك خيار بني إسرائيل حتّى رفعوه قامة ولداود يومئذ سبع وعشرون ومائة سنة فأوحى اللَّه إلى داود أنّ تمام بنائه تكون على يدي ابنه سليمان . فلمّا صار داود ابن أربعين ومائة سنة توفّاه اللَّه واستخلف سليمان فأحبّ إتمام بيت المقدس فجمع الجنّ والشياطين وقسّم عليهم الأعمال يخصّ كلّ طائفة منهم بعمل فأرسل الجنّ والشياطين في تحصيل الرخام والمها « 1 » الأبيض الصافي من معادنه وأمر ببناء المدينة من الرخام والصفائح وجعلها اثني عشر ربضا وأنزل كلّ ربض منها سبطا من الأسباط . ولمّا فرغ من بناء المدينة ابتدأ في تتميم المسجد فوجّه الشياطين فرقا فرقة يستخرجون الذهب واليواقيت من معادنها وفرقة يقلعون الجواهر والأحجار من أماكنها وفرقة يأتون بالمسك والعنبر وسائر الطيب وفرقة يأتونه بالدرّ من البحار فأوتي بشيء من

--> ( 1 ) الرخام : المرمر والمها جمع المهاة مثل لها جمع لهات : البلور ، والصفائح جمع الصفيحة : الحجر العريض ، والربض : مسكن القوم أو ما حول المدينة من بيوت ومساكن أو هو سور المدينة .