مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

23

تفسير مقتنيات الدرر

صاحب الكشّاف : اللام للاستغراق أي وكلّ السلام عليّ وعلى أتباعي وإنّما قال هذا القول تعريضا باللعن على من اتّهم مريم امّه بالزنا وكان يليق به في هذا المقام مثل هذا التعريض إزالة للشبهة نظير قول موسى عليه السّلام : « وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى » « 1 » بمعنى أنّ العذاب على من كذّب وتولَّى ، فكأنّه سأل ربّه السلامة وطلب منه ما أخبر اللَّه فعله بيحيى . وفي هذه الآيات دلالة على أنّه يجوز أن يصف الإنسان نفسه إذا أراد أن يعرّفها إلى غيره لا على وجه الافتخار بل على وجه حاجة لا تنقضي تلك الحاجة إلَّا ببيان ذلك الوصف أو في مقام زوال التهمة عن نفسه وأمثال هذه الموارد فإذا لا بأس بأن يصف الإنسان نفسه ويعرّف غيره بنفسه كما أنّ عيسى لمّا كلَّمهم بهذه الكلمات علموا براءة مريم . واعلم أنّ اليهود والنصارى ينكرون أنّ عيسى تكلَّم في زمان الطفوليّة واحتجّوا عليه بأنّ هذا من الوقائع العجيبة الَّتي تتوفّر الدواعي على نقله فلو وجدت لنقلت إلينا بالتواتر ولعرفه النصارى وهم أشدّ الناس بحثا وغلوّا في عيسى . فالجواب أوّلا أنّ عدم الوجدان عند نقلهم وأخبارهم لا يستلزم عدم الوجود والعقل يحكم على أنّه تكلَّم فإنّه لولا كلامه الَّذي دلَّهم على براءة امّه من الزنا لما تركوا في ذلك الزمان إقامة الحدّ على امّه ولما سكتوا عن مثل هذا الأمر الفظيع ولما استسلموا الأمر لمريم وما عظَّموها هذا التعظيم الوافر بحيث يعرفون لها بالتثليث ، والقرآن مصرّح ناطق بنطقه والإجماع من قاطبة المسلمين ، والسنّة مشحونة بهذا الأمر ثمّ إنّه يمكن أن كان الحاضرون حينئذ عند كلام عيسى قليلين وغالط اليهود وقتئذ لعداوتهم ولذلك لم يشتهر عند النصارى ولم يبلغ إلى حدّ التواتر فانقطع الخبر عن الطبقات كما حصل مثل هذا في قصّة شقّ القمر . قوله تعالى : * ( [ ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيه ِ يَمْتَرُونَ ] ) * أي ذلك الَّذي قال هذه الكلمات والموصوف بهذه الصفات الَّتي منها إقراره بأنّي عبد اللَّه ، عيسى بن مريم وولده هذه المرأة الموصوفة لا أنّه ابن اللَّه وأنّ كلامه هذا لهو الحقّ المبين ، أو المعنى

--> ( 1 ) طه : 47 .