مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
45
تفسير مقتنيات الدرر
أمّا أنّهم ما عرفوه لأنّه أمر حجّابه بأن يوصّفوهم من البعد وما كان يتكلَّم معهم إلَّا بواسطة ، لا سيّما مهابة الملك وشدّة الحاجة يوجبان كثرة الخوف . ثمّ إنّه عليه السّلام لمّا ألقوه في الجبّ كان صغيرا ثمّ إنّهم رأوه بعد تغيير الزيّ والهيئة واللحية ولبس الملوك فنسوا العلائم لطول المدّة وكان بين أن قذفوه بالجبّ وبين أن دخلوا عليه أربعين سنة ، وكان من عادة يوسف مع الكلّ أن يعطيه حمل بعير لا أزيد عليه ولا أنقص فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا : إنّ لنا أبا شيخا كبيرا وأخا آخر بقي معه ، وذكروا أنّ أباهم لأجل سنّه وشدّة حزنه لم يحضر وأنّ أخاهم بقي في خدمة أبيه ، ولا بدّ لهما أيضا شيء من الطعام ، فلمّا ذكروا ذلك قال يوسف : فهذا يدلّ على أنّ حبّ أبيكم له أزيد من حبّه لكم ، وهذا أمر عجيب لأنّكم مع جمالكم وأدبكم وعقلكم إذا كانت محبّة أبيكم لذلك الأخ أكثر من محبّته لكم ، وهذا يدلّ على أنّ ذلك أعجوبة في العقل وفي الفضل والأدب فجيئوني به حتّى أراه . وقيل : إنّهم لمّا دخلوا عليه وأعطاهم الطعام قال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نحن قوم رعاة من أهل الشام أصابنا الجهد فجئنا نمتار . فقال : لعلَّكم جئتم عيونا ؟ فقالوا : معاذ اللَّه نحن إخوة بنو أب واحد شيخ صدّيق نبيّ اسمه يعقوب . قال : كم أنتم ؟ قالوا : كنّا اثني عشر فهلك منّا واحد وبقي واحد مع الأب يتسلَّى به عن ذلك المفقود ونحن عشرة ، وقد جئناك . قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخ لكم من أبيكم فعند هذا أقرعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون أو يهودا وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلَّفوه عنده . ثمّ إنّ يوسف لمّا طلب منهم إحضار ذلك الأخ جمع بين الترغيب والترهيب أمّا الترغيب فهو قوله : * ( [ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ] ) * وأمّا الترهيب فهو قوله : * ( [ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِه ِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ] ) * وذلك لأنّهم في نهاية الاحتياج إلى الطعام فلمّا سمعوا هذا الكلام من يوسف قالوا : * ( [ سَنُراوِدُ عَنْه ُ أَباه ُ ] ) * أي سنجتهد ونحتال على أن ننزعه من يده * ( [ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ] ) * أن نجيئك به وفاعلون ما في وسعنا من هذا الباب . قوله : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 62 إلى 64 ] وَقالَ لِفِتْيانِه ِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 62 ) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَه ُ لَحافِظُونَ ( 63 ) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْه ِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيه ِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّه ُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 64 ) .