مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

44

تفسير مقتنيات الدرر

وبيدك خزائن مصر ؟ قال : أخاف أن أشبع فأنسى الجياع . والحاصل أنّ المراد من تمكين اللَّه ليوسف وتمكّنه في أرض مصر هذه الأمور العظيمة المذكورة ثمّ أكّد ثانيا بقوله : * ( [ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ] ) * وهذه شهادة من اللَّه على أنّ يوسف كان من المحسنين . لو صدق أقوال الحشويّة فيما نسبوه إليه لامتنع أن يقال : إنّه كان من المحسنين والأمر متوقّف بين تكذيب اللَّه وهو عين الكفر أو تكذيب الحشويّ وهو عين الإيمان . قوله : * ( [ وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ] ) * المراد أنّ يوسف وإن كان وصل بصون نفسه إلى المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الدنيا إلَّا أنّ الثواب الَّذي أعدّه اللَّه له في الآخرة خير وأفضل . ولفظ « الخير » قد يستعمل بمعنى التفضيل ، وقد يستعمل بمعني نفس الخير كقولهم : « الثريد خير من . . » وفي هذه الآية دلالة على أنّه سبحانه يؤتي يوسف في الآخرة من الثواب ما هو خير ممّا آتاه اللَّه من الملك في الدنيا وشهادة منه سبحانه على تقواه ، فكيف يقال فيه ما قالوا ؟ فتأمّل ! قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 58 إلى 61 ] وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْه ِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَه ُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 59 ) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِه ِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 ) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْه ُ أَباه ُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 ) لمّا عمّ القحط في البلاد ووصل إلى البلدة الَّتي كان يسكنها يعقوب ونزل بآل يعقوب ما نزل بالناس قال يعقوب لبنيه : إنّ بمصر رجلا صالحا يمير الناس فاذهبوا بدراهمكم وخذوا الطعام . فخرجوا إليه وهم عشرة ودخلوا على يوسف ، وصارت هذه الواقعة كالسبب في اجتماع يوسف مع إخوته وظهور صدق ما أخبر اللَّه ليوسف حين ما ألقوه في الجبّ في قوله « لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ » وكان كلّ من وصل إلى بابه من البلاد البعيدة يتفحّص عنهم ليعرف أنّ الجائين والواصلين هل فيهم إخوته أم لا ؟ فلمّا وصل إخوة يوسف إلى باب داره تفحّص عن أحوالهم ظهر له أنّهم إخوته ، و