مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

30

تفسير مقتنيات الدرر

وهو كان عليه السّلام في الحبس جميل الأخلاق لأنّه إذا ضاق على رجل مكانه وسّع عليه وإذا احتاج جمع له وإن مرض قام عليه ، ويعين المظلوم وينصر الضعيف ، وقيل : من المحسنين أي ممّن يحسن تأويل الرؤيا وإنّه لمّا دخل السجن أخبر بأنّي عالم في تأويل الرؤيا . فائدة : لو قيل : ما حقيقة علم التعبير ؟ الجواب : القرآن والبرهان يدلَّان على صحّته أمّا القرآن فهو هذه الآية وأمّا البرهان فهو أنّه قد ثبت أنّ جوهر النفس الناطقة خلقه سبحانه بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ والمانع لها من ذلك اشتغالها بتدبير البدن ، وفي وقت النوم يقلّ هذا التشاغل فيقوى على هذه المطالعة والقوّة فإذا وقعت الروح على حالة من الأحوال تركت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحانيّ إلى عالم الخيال ، فالمعبّر يستدلّ بتلك الآثار الخياليّة على تلك الإدراكات العقليّة ، انتهى . * ( [ قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ ] ) * اعلم أنّ هذا البيان الَّذي أجاب يوسف عليه السّلام ليس بجواب لما سألا عنه فلمّا كان هنا مطلب أهمّ من تعبير الرؤيا أعرض عن التعبير وبيّن ذلك المطلب ثمّ عبّر رؤياهم وذلك الأهمّ هو أنّه لمّا علم بعلم النبوّة أنّ أحدهما يصلب وهو على الكفر ادّعى الحقّيّة والنبوّة والإرشاد في الدين لعلَّهم يؤمنون باللَّه فلا جرم اجتهد في أن يدخله في الإسلام حتّى لا يموت على الكفر وليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة ، فقال عليه السّلام : لا يأتيكما طعام ترزقانه إلَّا أخبرتكما أي طعام وأيّ لون هو ؟ وكم هو وكيف هو يكون عاقبته ؟ وقيل : كان الملك إذا أراد أن يقتل إنسانا صنع له طعاما مسموما فأرسله إليه فقال يوسف : لا يأتيكما طعام إلَّا أخبرتكما ، وادّعى عليه السّلام علما غير عاديّ من قبيل المعجزة والغيب وهو يجري مجرى قول عيسى عليه السّلام : حيث قال : « وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ » « 1 » وليس ذلك هذا العلم من قبيل الكهانة والنجامة ، وإنّما أخبرتكما بوحي وعلم حصل بتعليم اللَّه . ثمّ قال : * ( [ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه ِ ] ) * فأظهر عليه السّلام أنّه ليس على دينهم ولعلَّه إلى ذلك الوقت ما كان يظهر نبوّته أو إيمانه خوفا منهم على سبيل التقيّة لأنّه كان

--> ( 1 ) آل عمران : 49 .