مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

20

تفسير مقتنيات الدرر

أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله فأعلمه اللَّه أنّ الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك أو أنّه لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربّما تعلَّقت به فكان يتمزّق ثوبه من قدّام ، واللَّه يعلم أنّ الشاهد يشهد بأنّ ثوبه لو تمزّق من قدّام لكان يوسف يحسب هو الخائن ، وكان يقتل بهذه الشهادة ولو كان ثوبه ممزّقا من خلف لكانت المرأة هي الخائنة كما وقعت القصّة كذلك . وفي المسألة تحقيق آخر وهو أن يفسّر « الهمّ » بالشهوة وهذا مستعمل في اللغة الشائعة في العرف يقول القائل فيما لا يشتهيه : « ما يهمّني هذا » وفيما يشتهيه : « هذا أهمّ الأشياء إليّ » فسمّى اللَّه شهوة يوسف همّا . معنى الآية : ولقد اشتهته واشتهاها لولا أن رأى برهان ربّه لدخل ذلك الميل إلى الوجود . أو معنى « الهمّ » حديث النفس وذلك لأنّ المرأة الفائقة في الجمال إذا تزيّنت وتهيّأت للرجل الشابّ القويّ فلا بدّ وأن يقع هناك بين شهوة الطبيعة وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات تارة تقوى داعية الشهوة والطبيعة وتارة تقوى داعية العقل والحكمة ، فالهمّ عبارة عن جواذب الطبيعة ، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبوديّة والتقوى ، مثال ذلك أنّ الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف إذا رأى الجلَّاب المبرّد بالثلج فإنّ طبيعته تحمله وتميله على شربه إلَّا أنّ دينه وهداه يمنعانه منه فهذا لا يدلّ على حصول الذنب بل كلَّما كانت هذه الحالة أشدّ كانت القوّة في القيام بلوازم العبوديّة أكمل . وبالجملة فالمحقّقون المثبتون للعصمة قد فسّروا رؤية البرهان بوجوه : الأول حجّة اللَّه في تحريم الزنى والعلم بما على الزاني من العقاب . والثاني طهر نفوس الأنبياء عن الأخلاق الذميمة فالمراد برؤية البرهان حصول تلك الأخلاق وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات . والثالث أنّه رأى مكتوبا في السقف « لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّه ُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا » « 1 » .

--> ( 1 ) الإسراء : 32 .