مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
21
تفسير مقتنيات الدرر
والرابع أنّه النبوّة المانعة من ارتكاب الفواحش لأنّ الأنبياء بعثوا لمنع الخلق عن القبائح والفضائح فلو أنّهم منعوا ثمّ أقدموا بأنفسهم على أقبح أنواعها لدخلوا تحت قوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّه ِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ » « 1 » وأيضا إنّ اللَّه عيّر اليهود بقوله : « أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ » « 2 » وما يكون عيبا في حقّ اليهود كيف ينسب إلى الرسول المؤيّد بالمعجزات ؟ وأمّا الَّذين نسبوا المعصية إلى الرسول يوسف عليه السّلام - أجارنا اللَّه من هذه العقيدة الفاسدة - فقد ذكروا في تفسير البرهان أمورا : الأول : قالوا : إنّ المرأة قامت إلى صنم مكلَّل بالدرّ والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب فقال يوسف : لمَ فعلت ذلك ؟ قالت : أستحي من إلهي هذا أن يراني على معصيته . فقال يوسف : أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع ولا أستحي من إلهي القائم على كلّ نفس بما كسبت ؟ فو اللَّه لا أفعل ذلك أبدا فقالوا : فهذا هو البرهان . الثاني : نقلوا عن ابن عبّاس : أنّه تمثّل له يعقوب فرآه عاضّا على أصابعه ويقول له : أتعمل عمل الفجّار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء ؟ فاستحيى منه ، وهو قول عكرمة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والضحّاك ومقاتل وابن سيرين قال سعيد بن جبير : تمثّل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله . الثالث : قالوا : إنّه سمع في الهواء قائلا يقول : يا ابن يعقوب لا تكن كالطير يكون له ريش فإذا زنى ذهب ريشه . قال الرازيّ : ولمّا نقل الواحديّ في البسيط هذه البيانات تصلَّف وقال : هذا الَّذي ذكرناه قول أئمّة التفسير الَّذين أخذوا التأويل عمّن شاهد التنزيل . فيقال له : إنّك لا تأتينا إلَّا بهذه التصلَّفات الَّتي لا فائدة فيها فأين هذا من الحجّة والدليل ؟ وأيضا فإنّ ترادف الدلائل على الشيء الواحد جائز وإنّه عليه السّلام كان ممتنعا عن الزنى بحسب الدلائل الأصليّة فلمّا انضاف إليها هذه الزواجر قوي الاحتراز عن مثل هذه الأقوال .
--> ( 1 ) الصف : 2 - 3 . ( 2 ) البقرة : 44 .