مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
48
تفسير مقتنيات الدرر
لمّا بيّن أمر الكفّار . وضرب لهم الأمثال عقّبه بمصير مآلهم فقال : * ( [ وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ ] ) * فقال : ولقد خلقناهم فكان عاقبتهم المصير إلى النار بسبب اختيارهم الكفر على الإيمان واللَّام في قوله : « لجهنّم » لام العاقبة نحو قوله : « فَالْتَقَطَه ُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً » « 1 » والمراد من أهل الآية كلّ من علم اللَّه أنّه لا يؤمن ويصير إلى النار . ومن المعلوم أنّ كثيرا من الآيات دالَّة على أنّه سبحانه أراد من الكلّ الطَّاعة والخير والصلاح قال اللَّه : « إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّه ِ وَرَسُولِه ِ » « 2 » وقال أيضا : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّه ِ » « 3 » وقال أيضا : « هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِه ِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » « 4 » وقال : « وَلَقَدْ صَرَّفْناه ُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا » « 5 » وقال : « وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ » « 6 » وقال : « يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ » « 7 » وقال سبحانه : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 8 » وأمثال هذه الآيات كثيرة . قالت المعتزلة : ونحن نعلم بالضرورة أنّه لا يجوز التناقض في القرآن وهذا أحد الدلائل على أنّه لا يمكن حمل الآية في قوله : « وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ » على ظاهرها . والدليل الثاني : قال في هذه الآية : « لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها » وهو تعالى ذكر ذلك في معرض الذمّ لهم ، ولو كانوا مخلوقين للنّار لما كانوا قادرين على الإيمان فحينئذ يقبح ذمّهم على ترك الإيمان . الوجه الثالث من الدليل وهو أنّه لو كان خلقهم للنّار لما كان له نعمة على أحد من الكفّار أصلا لأنّ منافع الدنيا بالقياس إلى عذاب الآخرة كالقطرة في البحر وكان كمن دفع إلى إنسان حلوا مسموما فإنّه لا يكون منعما عليه فكذا هاهنا ، مع أنّ القرآن مشحون من بيان كثرة نعم اللَّه على كلّ الخلق علمنا أنّ الأمر ليس كما ذكروه الأشاعرة في تفسير الآية ، واستدلَّوا بها وأمثالها على صحّة مذهب الجبر ، على أنّ المدح والذمّ والثواب
--> ( 1 ) القصص : 7 . ( 2 ) الفتح : 8 و 9 . ( 3 ) النساء : 67 . ( 4 ) الحديد : 9 . ( 5 ) الفرقان : 62 . ( 6 ) « : 25 . ( 7 ) إبراهيم : 12 . ( 8 ) الذاريات : 56 .