مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
45
تفسير مقتنيات الدرر
على توحيده ، وجعل في عقولهم ما يدلّ على وحدانيّته فكأنّه بمنزلة المشهد بهم على أنفسهم وإن لم يكن هناك شهادة صورة حقيقة . نظير قوله : « فَقالَ لَها وَلِلأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » « 1 » وإن لم يكن منه سبحانه قول ولا منهما جواب ومثله قوله تعالى : « شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ » « 2 » ومعلوم أنّ الكفّار لم يعترفوا بألسنتهم لكنّه لمّا ظهر منهم ظهورا لا يتمكّنون من إنكاره ودفعه فكأنهم اعترفوا به ، ومثله في الشعر كثير : « وقالت له العينان سمعا وطاعة » وكقول القائل : جوارحي يشهد بنعمتك . وكما روي عن بعض الخطباء من قوله : سل الأرض من شقّ أنهارك وغرس أشجارك وأينع ثمارك إن لم يجبك خوارا أجابتك اعتبارا . والقول الثالث أنّه تعالى إنّما عنى بذلك جماعة من ذرّيّة آدم خلقهم وأكمل عقولهم وقرّرهم على ألسن رسله بمعرفته فأقرّوا وأشهدهم على أنفسهم به لئلَّا يقولوا يوم القيامة : إنّا كنّا عن هذا غافلين أو يقولوا : إنّما أشرك آباؤنا من قبل فقلَّدناهم في ذلك وعلى هذا القول الثالث يكون هذا الأمر في قوم خاصّ من بني آدم وهذا اختيار الجبّائيّ والقاضي عبد الجبّار . وقوله : * ( [ شَهِدْنا ] ) * قيل : حكاية عن قول الملائكة أنّهم يقولون : « شهدنا » وهذا القول في غاية الضعف وخلاف ما عليه المفسّرون لأنّ سوق الآية من قوله « شهدنا » أنّ هذا القول من قول من قال : « بلى » على أنّ الملائكة لم يجر لهم ذكر في الآية . وقوله : * ( [ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ] ) * أي لئلَّا يقولوا : أفتهلكنا بما فعل آباؤنا من الشرك وتقديره : إنّا لا نهلككم بما فعلوه وإنّما نهلككم بفعلكم أنتم * ( [ وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ] ) * أي كما بيّنّا تلك الآيات كذلك نميّزها ونفصّلها للعباد ليتمكّنوا من الاستدلال بها ليرجعوا من الباطل إلى الحقّ . قال الفيض في الصافي في معنى قوله : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ » يعني نشر حقائقهم بين يدي علمه فاستنطق الحقائق بألسنة قابليّات جواهرها واستعداد ألسن ذرّاتها فركّب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بالربوبيّة حتّى صار بمنزلة الإشهاد على طريق التمثيل نظير
--> ( 1 ) فصلت : 10 . ( 2 ) التوبة : 17 .