مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
333
تفسير مقتنيات الدرر
هذا هو القصّة السادسة في هذه السورة . « مدين » اسم لابن إبراهيم ، ثمّ صار اسما لقبيلة ثمّ صار اسما لمدينة بناها مدين ابن إبراهيم عليه السّلام وعادة الأنبياء كلَّهم ان يشرعوا في أوّل الأمر بالدعوة إلى التوحيد . المعنى : * ( [ وَ ] ) * أرسلنا * ( [ إِلى ] ) * أهل * ( [ مَدْيَنَ أَخاهُمْ ] ) * ونسيبهم لأنّ شعيبا ابن ميكيل بن يشجر بن مدين جدّهم ، وكان يقال له : خطيب الأنبياء لحسن مراجعته وخطابته قومه . * ( [ قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّه َ ما لَكُمْ مِنْ إِله ٍ غَيْرُه ُ ] ) * . ثمّ شرع في الأهمّ من الدعوة لأنّ المعتاد من أهل مدين البخس في المكيال والميزان فدعاهم إلى ترك هذه العادة فقال : * ( [ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ] ) * والنقص فيه على وجهين : أحدهما الإيفاء من قبلهم فينقصون من قدره والآخر أن يكون لهم الاستيفاء فيأخذون أزيد من المقدار ، وفي القسمين النقص في حقّ الغير . ثمّ قال لهم : * ( [ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ] ) * أي إذا لم تتركوا هذه العادة أراكم بزوال الخير والنعمة عنكم ، أو المعنى أنّي أراكم بالخير الكثير والخصب فلا حاجة لكم بالتطفيف ، وأنّي أخاف عليكم عذابا يحيط بكم بحيث لا يخرج أحد منه ، والمحيط في الظاهر صفة اليوم وفي المعنى صفة العذاب . ثمّ قال : * ( [ وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ ] ) * وهذه الكلام الأوّل فما الفائدة في هذا التكرار ؟ لأنّ القوم كانوا مصرّين على هذا العمل فاحتيج إلى التأكيد والمبالغة في المنع ، وأمّا قوله تعالى ثالثا : * ( [ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ] ) * ليس بتكرير لأنّه تعالى نهى في المرّة الأولى عن التطفيف والتنقيص ، وفي آية الثانية أمر بالإيفاء على سبيل الكمال والتمام حتّى أنّه لا يحصل ذلك باليقين القطعيّ إلَّا إذا أعطى قدرا زائدا على الحقّ لحصول البراءة ، وفي الآية الثالثة النهي عن التنقيص في كلّ الأشياء : لأنّ في العنوانين خصّوا بالمكيال والميزان ، وفي الثالثة عمّ الأشياء فحينئذ لا تكرار . قوله تعالى : * ( [ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ] ) * فإن قيل : « العثو » الفساد التامّ فقوله : « وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ » جار مجرى قوله : ولا تفسدوا في الأرض مفسدين ؟ المراد من هذا البيان أنّ في البخس والتطفيف وعبادة غير اللَّه فساد دينكم ودنياكم .