مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
316
تفسير مقتنيات الدرر
أن قيل لها : ابلعي فبعلت وقال اللَّه للسماء : أمسكي عن المطر وهذا إخبار عن إقشاع السحاب في أسرع زمان فكأنّه قال : له أقلعي فأقلعت . والمقصود من هذا الكلام وصف آخر لمّا انتهى الطوفان ، بلع الماء إذا شربه دفعة من غير تروّ ، وبلع الطعام إذا لم يمضغه ، وأقلع الرجل عن عمله إذا كفّ وأمسك عن شغله ، وغاض الماء إذا نقص ، لازم متعدّ . و « الغيض » النقص الَّذي ما بقي منه شيء . وهذه الآية مشتملة على عظمة اللَّه وكبريائه غاية فقوله : « قيل » يدلّ على أنّه سبحانه في القدرة بحيث إنّه متى قيل : « قيل » لم ينصرف العقل إلَّا إليه ولم يتوجّه الفكر إلَّا إلى أنّ ذلك القائل هو هو . وهذا البيان تقرير في العقول أنّه لا حاكم في العوالم العلويّ والسفلي إلَّا هو وقوله : * ( [ يا أَرْضُ ] ) * فإنّ الحسّ يدلّ على عظمة هذه الأجسام وشدّتها وقوّتها فإذا شعر العقل بوجود قاهر لهذه الأجسام يتصرّف فيها فصار ذلك البيان لوقوف القوّة العقليّة على كمال قوّة الجلال وعلوّ قهره ومشيئته سبحانه . ثمّ إنّ السماء والأرض من الجمادات فقوله : « يا أرض » و « يا سماء » مشعر بحسب الظاهر على أنّ أمره نافذ في الجمادات . فلأن يكون أمره نافذا على العقلاء كان أولى . فإن قيل : كيف يليق بحكمة اللَّه أن يغرق الأطفال بسبب جرم الكفّار ؟ فالجواب أنّ كثيرا من المفسّرين يقولون : إنّ اللَّه أعقم أرحام النساء أربعين سنة ، فلم يغرق إلَّا من بلغ أربعين سنة فما فوق . فلو قيل : فما قولكم في إهلاك الطير والوحش مع أنّه لا تكليف عليها ؟ فالجواب على مذهب الأشاعرة : لا اعتراض على فعله ، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون . وعلى مذهب المعتزلة والعدليّة . ذلك يجري مجرى ذبح البهائم وإعمالها في الأعمال الشاقّة واللَّه يعوّضهن عوض ألم الذبح والغير بأنواع اللذّة على حسب مراتبها بنوع يتداركه ، وكذلك القول في الأطفال . قوله : * ( [ وَقُضِيَ الأَمْرُ ] ) * أي وقع الهلاك على القوم واستقرّت السفينة على الجبل المعروف بالجوديّ . وقيل : الجوديّ اسم لكلّ جبل . قال الزجّاج : هو لناحية أسل . و