مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

289

تفسير مقتنيات الدرر

* ( [ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّه َ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ] ) * والمقصود ترك عبادة الأوثان والأحجار ويجب الاشتغال بعبادة المعبود الحقّ الموصوف بهذه الصفة أي يتوفّاكم . وإنّما خصّ هذا الوصف بالذكر في هذا المقام لأنّ الموت أقوى من الزجر والردع ، أو المراد : أعبد الَّذي خلقكم أولا ثمّ يتوفّاكم ثانيا ثمّ يعيدكم ثالثا واكتفى بذكر التوفّي من المراتب الثلاثة لكونه منبّها على البواقي . قوله : * ( [ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ] ) * أي إنّا مأمورون بعبادة الجوارح وقبول الإيمان بالقلب ، يعني لا بدّ أن يكون الظاهر مزيّنا بالأعمال الصالحة والقلب منوّرا بالمعرفة والقبول . قوله : * ( [ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ] ) * أي وأمرت بإقامة الوجه إلى طلب الدين كناية عن توجيه العقل بالكلَّيّة إلى طلب الدين لأنّ من يريد أن ينظر إلى شيء نظرا بالاستقصاء فإنّه يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يصرفه عنه والحاصل أي استقم في الدين على ما أمرت به من القيام بأعباء الرسالة وتحمّل أمر الشريعة بوجهك . وقيل : المعنى : وأقم وجهك في الصلاة بالتوجّه نحو الكعبة * ( [ حَنِيفاً ] ) * أي مائلا إليه ميلا كلَّيّا معرضا عمّا سواه إعراضا كلَّيّا بإخلاص تامّ وترك الالتفات إلى غيره . * ( [ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ] ) * أي لا يكون في العبادة شرك لغير اللَّه . قال الرازيّ : لا يمكن أن يكون هذا نهيا عن عبادة الأوثان لأنّ ذلك صار مذكورا بقوله : « فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ِ » فوجب حمل هذا الكلام على فائدة زائدة وهو الشرك الخفيّ لأنّ من عرف مولاه فلو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركا ، وتسمّيه أصحاب القلوب الشرك الخفيّ . قوله : * ( [ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّه ِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ ] ) * وكلّ شيء هالك إلَّا وجهه فلا نافع ولا ضارّ سوى اللَّه لأنّ غيره ممكن ومعدوم أو سيعدم فما سواه لا وجود له إلَّا بإيجاده فلا حكم إلَّا له والرجوع إليه فحينئذ إن اشتغلت بطلب المنفعة أو دفع الضرر من غيره * ( [ فَإِنْ فَعَلْتَ ] ) * ذلك الأمر * ( [ فَإِنَّكَ إِذاً ] ) * وضعت الشيء في غير موضعه وكنت ظالما فإنّ ما سوى الحقّ معزول عن التصرّف لعدم القدرة .