مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

290

تفسير مقتنيات الدرر

فإن قيل : طلب الشبع من الأكل والريّ من الشرب هل يقدح في ذلك الإخلاص والتوجّه ؟ قلنا : لا لأنّ حصول الشبع من الأكل بتكوين اللَّه وطلب الانتفاع بشيء قدّره اللَّه للانتفاع به لا يكون منافيا للرجوع بالكلَّيّة إلى اللَّه بشرط أن يشاهد بعين عقله أنّها معدومة بذواتها وهالكة بأنفسها وباقية بإبقاء الحقّ ويرى ما سوى الحقّ عدما محضا بحسب أنفسها ويرى فيض وجوده وإحسانه غالبا على الكلّ . قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 107 ] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّه ُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَه ُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِه ِ يُصِيبُ بِه ِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 107 ) لمّا بيّن في الآية السابقة أنّ ما تدعونه وتعبدونه من الأوثان لا يضرّ ولا ينفع عقّبه ببيان أنّه تعالى هو النافع الضارّ أي إن أحلّ اللَّه بك ضرّا من بلاء أو شدّة أو مرض لا يقدر على كشفه أحد غيره وإن يردك بخير من صحّة ونعمة وخصب ونحوها لا يقدر أحد على منعه . * ( [ يُصِيبُ ] ) * بالخير * ( [ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ِ ] ) * فيعطيه على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة * ( [ وَهُوَ الْغَفُورُ ] ) * لذنوب عباده * ( [ الرَّحِيمُ ] ) * بهم . وفي الآية نكتة دقيقة حيث إنّ المسّ نسبه إلى الضرّ والإصابة نسبها إلى الخير حيث إنّ جانب الخير والرحمة أقوى وأغلب وهذا يؤيّد قوله سبحانه : « سبقت رحمتي غضبي » والخير مراد بالذات والشرّ مراد بالعرض . قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 108 ] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِه ِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 108 ) المعنى : لمّا قرّر الدلائل من أوّل السورة في التوحيد والنبوّة والمعاد بالدلائل والبراهين والأمثلة لتقريب المعنى في الأذهان ختم السورة بقوله : * ( [ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ ] ) * أي إنّه بيّن التكاليف وأزاح العلَّة وقطع المعذرة * ( [ فَمَنِ ] ) * قبل و * ( [ اهْتَدى ] ) * فالنفع راجع إليه والهداية تنفعه ، ومن لم يصغ بسمع القبول وخالف الهداية واتّبع الضلالة فخاصم نفسه ، ولا يجب عليّ من السعي في إلجائكم إلى الثواب العظيم .