مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

275

تفسير مقتنيات الدرر

قطعا لأنّه ثبت أنّه سبحانه منزّه عن فعل القبيح ولا شكّ أنّ إرادة الكفر قبيحة . ثمّ دليل آخر هاهنا : وهو أنّه سبحانه لو أراد ذلك لكان الكفّار مطيعين لإرادته سبحانه بسبب كفرهم لأنّه لا معنى للطاعة إلَّا الإتيان بما يوافق الإرادة ، ولو كانوا كذلك لما استحقّوا العذاب والدعاء عليهم بطمس الأموال وشدّ القلوب كما دعا عليهم موسى وهو سبحانه يجيب . ثمّ دليل آخر : أنّا لو جوّزنا أن يريد اللَّه إضلال العباد لجوّزنا أن يبعث اللَّه الأنبياء للدعاء إلى الضلال وفي هذا الأمر هدم الدين وهذا باطل . ثمّ لو كان الأمر كذلك كيف يقول سبحانه لموسى وهارون : « فَقُولا لَه ُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّه ُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى » ؟ « 1 » وكيف يجوز أن يقول : « وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ » ؟ « 2 » ثمّ إنّه تعالى أراد الضلالة منهم وأعطاهم النعم لكي يضلَّوا ، لأنّ ذلك عين المناقضة فلا بدّ من حمل أحدهما على موافقة الآخر فوجب أن يتأوّل هذه الكلمة ، وذلك من وجوه : الأول : أنّ اللام للعاقبة في قوله « ليضلَّوا » كقوله : « فَالْتَقَطَه ُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً » « 3 » ولمّا كانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال وقد أعلمه اللَّه لا جرم عبّر عن هذا المعنى بهذا اللَّفظ . الثاني : أنّ قوله : « لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ » أي لئلَّا يضلَّوا عن سبيلك فحذف « لا » لدلالة المفعول عليه كقوله « يُبَيِّنُ اللَّه ُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا » « 4 » والمراد : أن لا تضلَّوا . وكقوله تعالى : « قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ » « 5 » والمراد : أن لا تقولوا . ومثل هذا الحذف كثير في الكلام .

--> ( 1 ) طه : 44 . ( 2 ) الأعراف : 129 . ( 3 ) القصص : 8 . ( 4 ) النساء : 175 . ( 5 ) الأعراف : 171 .