مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

254

تفسير مقتنيات الدرر

المعنى : لمّا وصف هؤلاء الكفّار بقلَّة الإصغاء وترك التعقّل والتدبّر أتبعه بذكر الوعيد فقال : * ( [ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ] ) * مشابهين حالا من حال ممن يلبث ساعة من النهار وقوله : * ( [ يَتَعارَفُونَ ] ) * يجوز أن يكون متعلَّقا بيوم يحشرهم ويجوز أن يكون حالا بعد حال و « كأن » مخفّفة من المثقّلة والتقدير : كأنّهم لم يلبثوا في الدنيا إلَّا ساعة من النهار . وحاصل المعنى : يوم نجمعهم من كلّ مكان إلى الموقف كأنّهم لم يلبثوا في الدنيا إلَّا مقدار ساعة أي استقلَّوا أيّام الدنيا فإنّ المكث في الدنيا وإن طال كان بمنزلة مكث ساعة في جنب الآخرة . وقيل : إنّهم استقلَّوا مدّة لبثهم في القبور ، عن ابن عبّاس وجماعة وقد دلّ القرآن بذلك الوجهين قال اللَّه : « كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » « 1 » وذكروا في سبب الاستقلال وجوها قيل : لمّا شاهدوا من أهوال الآخرة ودوامها وعظم خوفهم نسوا زمان الدنيا واستقلَّوه ، ولمّا طال وقوفهم في الحشر استقلَّوا بقاءهم في الدنيا . قوله : * ( [ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ ] ) * أي إنّ الخلق يعرف بعضهم بعضا في ذلك الوقت كما كانوا في الدنيا كذلك وقيل : معناه : يعرف بعضهم ممّا كانوا عليه من الخطاء والكفر . قال الكلبيّ : يتعارفون إذا خرجوا من قبورهم ثمّ ينقطع المعرفة إذا عاينوا العذاب ويتبرّأ بعضهم من بعض فحينئذ لا يسأل حميم حميما أو المراد من قوله : * ( [ يَتَعارَفُونَ ] ) * يوبّخ بعضهم بعضا فيقول كلّ فريق للآخر : أنت أضللتني يوم كذا وزيّنت لي الفعل الفلانيّ من القبائح فهذا تعارف بين اثنين في التقبيح والتعنيف والتقاطع لا تعارف عطف وشفقة . وكلمة التعارف يشمل القسمين فلا منافاة بين هذه الآية وبين آية « وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً » « 2 » . قوله : * ( [ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا ] ) * فيه وجهان : الأوّل : أن يكون التقدير : ويوم يحشرهم

--> ( 1 ) المؤمنون : 115 . ( 2 ) المعارج : 10 .