مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

247

تفسير مقتنيات الدرر

الْمُؤْمِنِينَ » « 1 » أي لم يكن ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك فكذلك هاهنا أي ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى . والافتراء من فريت الأديم إذا قدّرته للقطع ، ثمّ استعمل في الكذب * ( [ وَلكِنْ ] ) * هذا القرآن وحي و * ( [ تَصْدِيقَ ] ) * للكتب الَّتي بين يديه من التوراة والإنجيل وغيرهما ، أي شاهد لما تقدّم من الكتب قبله بأنّها حقّ كما أنّها شاهدة لصدقه ، أو المعنى أنّ القرآن والكتب الَّتي قبله مصدّقة وشاهدة بالتوحيد والثواب والجزاء والبعث والقيامة . قوله : * ( [ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ ] ) * أي هذا القرآن تبيّن المعاني المجملة من الحلال والحرام والأحكام والأدلَّة الكلاميّة ، وفيه جميع ما تحتاجون إليه من الأصول والفروع شارح ومميّز بعضه بعضا ويبلَّغكم من انزل عليه لأنّه إنّما يعرف القرآن من خوطب به ، وبالجملة لا شكّ أنّه من عند اللَّه ولا يقدر أحد على مثله أن يأتي به من البشر . قوله : * ( [ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراه ُ ] ) * هذا تقرير على موضع الحجّة بعد مضيّ حجّة أخرى . بل أيقولون افتراه ؟ والتقدير : إذا قالوا : افتراه محمّد فقل وألزمهم بإتيان سورة مثله * ( [ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ] ) * من الفصحاء للمعاونة واستعينوا بهم للمعاضدة بآية منه * ( [ إِنْ كُنْتُمْ ] ) * في دعواكم * ( [ صادِقِينَ ] ) * وهذا البيان غاية في التعجيز والتحدّي . واعلم أنّ الناس اختلفوا في أنّ القرآن معجز من أيّ الوجوه للنبيّ : فقال بعضهم : لاشتماله على الإخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة وإليه الإشارة بقوله : « تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْه ِ » . ومنهم من قال : إنّه معجز لاشتماله على العلوم الكثيرة وإليه الإشارة بقوله : « وتفصيل كلّ شيء » ولا شكّ أنّ كتابا يشتمل على تمام علوم الأوّلين والآخرين من المعاشيّة والمعاديّة ويكون فيه أحكام جميع من يحتاج إلى حكم من غير إبقاء نكتة أو إهمال دقيقة من الخلق بأسرها بحيث لا يشذّ عنه حكم واحد من الأفراد حكما ومحكوما لا يكون إلَّا من عند اللَّه ولا يتمكّن أحد سواء كان نبيّا أو ملكا أو بشرا أن يأتي به ، وما نعني بالمعجزة إلَّا هذا الأمر لأنّه متى ثبت العجز ثبت المعجز . وقال بعضهم : إنّ إعجاز القرآن مع قطع النظر إلى اشتماله على العلوم والدقائق

--> ( 1 ) آل عمران : 173 .