مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
248
تفسير مقتنيات الدرر
وقطع النظر عن الغيوب الماضية والمستقبلة عجزوا عن تركيب هذه الألفاظ على هذا الأسلوب مع أنّه لسانهم وهم كانوا أفصح العرب ، وقال بعض : مع قطع النظر عن هذه الدلائل لمّا أراد اللَّه أن يكون القرآن معجزا لنبيّه منع اللَّه أفواه جميع الخلق إلى يوم القيامة أن يتمكّنوا من إتيان آية أو سورة منه . وهذا القول لا يمكن المناقشة فيه حيث ما ادّعى أحد ولا تمكّن منه مخلوق وما سمع أن يدّعي أحد فضلا عن أن يأتي به . وأظنّ القائل بهذا القول الأخير السيّد المرتضى رحمة اللَّه عليه . قوله : * ( [ بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا ] ) * أي كذّبوا بما لم يدركوا علمه من القرآن ولم يأتهم تفسيره لأنّهم لم يراجعوا رسول اللَّه حتّى يتعلَّموا منه وفي القرآن علوم لا يمكنهم معرفتها إلَّا بالرجوع إلى النبيّ لأنّ فيه أمورا يحتاج إلى الفكر والتدبّر والسؤال عن النبيّ ، فالكفّار لمّا لم يعرفوا المراد منه كذّبوا به لعدم إحاطة علمهم بتأويله والنبيّ يعرف ذلك ولا بدّ أن يستكشفوا منه ، ولو راجعوه صلى اللَّه عليه وآله لعلموه . روي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أنّه قال : خصّ هذه الامّة بآيتين في القرآن أن لا يقولوا إلَّا ما يعلمون ، وأن لا يردّوا ما لا يعلمون ، ثمّ قرأ « أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّه ِ إِلَّا الْحَقَّ » « 1 » . قيل : إنّ من هنا أخذ أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام قوله : « الناس أعداء ما جهلوا » من قوله تعالى : « بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِه ِ » . وأخذ قوله : « قيمة كلّ امرى ما يحسنه » من قوله تعالى : « فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ » « 2 » وأخذ قوله : « تكلَّموا تعرفوا » من قوله : « وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ » « 3 » قوله تعالى : * ( [ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ] ) * أي مثل تكذيب هؤلاء الَّذين في زمانك كذّبت الأمم السالفة رسلها * ( [ فَانْظُرْ ] ) * يا محمّد كما كان عاقبة أولئك المكذّبين الهلاك كذلك
--> ( 1 ) الأعراف : 168 . ( 2 ) النجم : 31 . ( 3 ) محمّد : 32 .