مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
232
تفسير مقتنيات الدرر
وقول آخر ولعلّ هو الصحيح وهو أنّ المراد أنّهم كانوا امّة واحدة في أنّهم خلقوا على فطرة الإسلام ثمّ اختلفوا في الأديان ، وإليه الإشارة بقوله : عليه السّلام كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه كما قال تعالى : « فِطْرَتَ اللَّه ِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » « 1 » وقوله : * ( [ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ] ) * من أنّه لا يعاجل العصاة والكفّار بالعقوبة إنعاما منه في التأنّي بهم * ( [ لَقُضِيَ ] ) * وفصّل بينهم فيما اختلفوا بأن يهلك العصاة وينجي المؤمنين لكنّه أخّرهم إلى يوم القيامة . ثمّ حكى عن حال الكفّار بقوله : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 20 ] وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْه ِ آيَةٌ مِنْ رَبِّه ِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّه ِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 20 ) قال الكفّار : هلَّا انزل على محمّد آية من ربّه تضطرّ الخلق إلى المعرفة بصدقه فلا يحتاجون مع تلك الآية إلى الاستدلال والنظر ولم يطلبوا معجزة تدلّ على صدقه ، وإنّما لم يلجئهم اللَّه إلى ما التمسوه لأنّ التكليف يمنع من الاضطرار ، ولو كانت المعرفة ضرورة وقهريّة لما استحقّوا ثوابا وكان ذلك الأمر نقضا للغرض . فقل يا محمّد : إنّ الَّذي يعلم الغيب ويعلم بالمصالح قبل كونها هو اللَّه العالم فما يعرف في إنزاله صلاحا أنزله وما لم يعرف لا يفعل الآية الَّتي اقترحوها ذلك الوقت فانتظروا عقاب اللَّه بسبب تمرّدكم والعقاب القهر والغلبة والقتل ، والأسر في الدنيا ، لأنّ اللَّه وعدني بالنصرة عليكم وفي الآخرة العذاب الأليم ، والحاصل أنّهم طلبوا من الرسول آية قاهرة يقهرهم على الإيمان والتصديق بالرسول غير القرآن لأنّه في بدو الأمر كان فيهم من يزعم أنّه يتمكّن من معارضة القرآن كما أخبر اللَّه عنهم أنّهم قالوا : لو شئنا لقلنا مثل هذا . وإذا كان الأمر كذلك لا جرم طلبوا منه شيئا آخر سوى القرآن فأمر اللَّه رسوله أن يقول لهم : « إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّه ِ » فصلاح إتيان آية وعدم صلاحها منوط بعلمه وأنتم بعد القرآن لا تحتاجون إلى آية أخرى * ( [ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ] ) * .
--> ( 1 ) الروم : 29 .