مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
216
تفسير مقتنيات الدرر
هذا أيضا ممكنا . والثاني أن يقال : إنّ ما هو أعظم منه وأعلى حالا منه ممكن فهو أيضا ممكن . فذكر الطريق الأوّل فقال : « قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ » « 1 » إشارة إلى العود وإلى كمال القدرة والعلم ومنكر والحشر والنشر لا ينكرونه إلَّا لجهلهم بهذين الأصلين لأنّهم تارة يقولون : إنّه يمتنع كونه عالما بالجزئيّات فيمتنع منه تميّز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو . وتارة يقولون : إنّه موجب بالذات والموجب بالذات لا يصحّ منه القصد إلى التكوين وشبهتهم الفلاسفة في المعاد من هذين الأصلين لا جرم لمّا ذكر اللَّه المعاد أردفه بدفع هذين الأصلين . ثمّ ذكر بعده الطريق الثاني وهو الاستدلال بالأعلى على الأدنى بقوله : « الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً ، إلخ » « 2 » وهو أنّ الحرارة الناريّة أقوى في الحرارة من الحرارة الغريزيّة فلمّا لم يمتنع تولَّد الحرارة الناريّة عن الشجر الأخضر مع كمال مضادّتهما فكيف يمتنع حدوث الحرارة الغريزيّة في جرم الشراب وهو أولى ؟ . ثمّ حسم مادة الشبهات بقوله : « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه ُ أَنْ نَقُولَ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ » « 3 » أي تخليقنا ليس بالأدوات ولا يتوقّف على الآلات ، والدليل عليه أنّه خلق الأب الأوّل لا عن أب سابق عليه ، ثمّ تأمّل في هذه الحجّة وهي أنّه قد دلَّت الدلائل على أنّ العالم محدث ، وإذا كان كذلك فلا بدّ له من محدث قادر عالم بمصالح حدوثه وأوضاعه فحينئذ لا يجوز في حقّ هذا الحكيم أن يهمل عبيده من غير أن يأمرهم بما ينفعهم وينهاهم عمّا يضرّهم ولا يجوز له أن يتركهم سدى حتّى يفعلوا ما يشاؤا من القتل والنهب والفساد في العالم ، وإيقاع الهرج والمرج ، ويجحدوا ربوبيّته ويأكلوا نعمته ويعبدوا الجبت والطاغوت لأنّ مثل هذه الأمور لا يقع ولا يليق إلَّا بالسفيه البعيد من الحكمة ، وبداهة العقل يحكم بفساده فلا بدّ له من أن يأمر وينهى فإذا أمر ونهى ولم يقرن الأمر بالوعد والثواب ولم يقرن النهي بالوعيد والعقاب لم يتأكّد الأمر والنهي ولم يحصل المطلوب والأثر . فثبت أنّ الوعد والوعيد لا بدّ أن يقع من الحكمة ، وهل يجوز له أن لا يفي بوعده
--> ( 1 ) يس : 79 - 80 . ( 2 ) يس : 79 - 80 . ( 3 ) النحل : 42 .