مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

217

تفسير مقتنيات الدرر

لأهل الثواب ؟ ولا بوعيده لأهل العقاب من الكافرين ؟ ولا شكّ أنّه لا يجوز عليه الكذب لأنّه لو جاز ذلك لما حصل الوثوق بوعده ووعيده بل بعدله وبصدقه ، وهو أصدق الصادقين فحينئذ تحقّق الثواب والعقاب أمر لا بدّ منه وذلك لا يتمّ إلَّا بالحشر والنشر وما لا يتمّ الواجب إلَّا به واجب ، وهذه مقدّمات تتعلَّق بعضها ببعض كالسلسلة متى صحّ بعضها صحّ كلَّها ومتى فسد بعضها فسد كلَّها ، ودلّ مشاهدة أبصارنا لهذه التغيّرات الحاصلة على حدوث العالم وحدوث العالم على وجود المحدث والصانع ، وذلك يكون غنيّا قادرا عالما فحينئذ فإن لم يثبت الحشر أدّى ذلك إلى بطلان جميع المقدّمات المذكورة ولزم إنكار العلوم البديهيّة وإنكار العلوم النظريّة العقليّة فثبت أنّه لا بدّ لهذه الأجساد البالية ، والعظام النخرة والأجزاء المتفرّقة من البعث بعد الموت ، وهي المراد من الآية لقوله تعالى : « لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ » هذه البيانات كلَّها تقرير المعادو به الكفاية . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 5 ] هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَه ُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّه ُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 ) هذه الآية تكملة للدلائل الدالَّة على الألوهيّة أي كما أنّ خلق السماوات والأرض دالَّة في الإلهيّة كذلك جعل الشمس والقمر نوع آخر من الأدلَّة ، وبهما يتوصّل المكلَّف إلى معرفة السنين والحساب فيمكنه ترتيب مهمّاته ومعاملاته من الحرث والنسل وغيرهما في الأمور الدينيّة والدنياويّة ولمّا وجب في الحكمة للمكلَّف معرفة الشهور والأعوام خلق الشمس والقمر مضيئة ومنيرا فخصّص جسم الشمس بضوئها الباهر وشعاعها القاهر ، وجسم القمر بنوره المخصوص الضعيف بالنسبة إلى ضوء الشمس . وقد قرّرنا أنّ الأجسام من حيث ذواتها متساوية في تمام الماهيّة ، وإذا ثبت هذا فالأشياء المتساوية في تمام الماهيّة تكون متساوية في جميع لوازم الماهيّة فكلّ ما يصحّ على بعضها وجب أن يصحّ على الباقي فلمّا صحّ جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر وجب أن يصحّ مثل ذلك الضوء على جرم القمر وبالعكس فاختصاص الشمس بضوئه والقمر بنوره بقسم آخر غير نور الشمس بتخصيص مخصّص وتقدير مقدّر وهو المطلوب لأنّ هذا الاختصاص بجعل جاعل .