مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
204
تفسير مقتنيات الدرر
وقرئ « ترون » بالخطاب للمؤمنين ، وفي الآية تقريع للمنافقين عن الاعتبار والنظر كأنّ المعنى أنّهم لا يشعرون أنّ في كلّ سنة مرّة أو مرّتين يرون أمورا يبتغي أن يعتبرون بها يمتنحون بالجهاد مع رسول اللَّه ويرون من نصره اللَّه وما ينال أعداء اللَّه من القتل والسبي . وقيل : بالشدّة والمرض والجوع والقحط . وقيل : يبيّن اللَّه سرائرهم ويخبر اللَّه نبيّه بنفاقهم بنزول الوحي والآيات في حقّهم ومع ذلك لا ينتبهون ولا يتناهون ولا يتوبون عن نفاقهم . قوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 127 إلى 129 ] وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّه ُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 ) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْه ِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّه ُ لا إِله َ إِلَّا هُوَ عَلَيْه ِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 129 ) هذا نوع آخر في ذكر مخازي المنافقين وهو أنّه كلَّما نزلت سورة مشتملة على ذكر المنافقين تأذّوا من سماعها ونظر بعضهم إلى بعض نظرا مخصوصا دالَّا على الطعن والهزء بها وأخذوا في التغامز والتضاحك ثمّ قال بعضهم لبعض : * ( [ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ] ) * أي لو يراكم أحد على هذا النظر والشكل لضرّكم جدّا لأنّ ذلك النظر دلّ على الإنكار الشديد منهم والنفرة التامّة فكانوا يخافون أن يراهم أحد من المسلمين على هذه الحالة فإذا تحقّق لهم أنّهم لا يراهم أحد بالغوا فيه وإن علموا أنّه يراهم أحد من المسلمين كفّوا . * ( [ ثُمَّ انْصَرَفُوا ] ) * عن مجلس النبيّ * ( [ صَرَفَ اللَّه ُ قُلُوبَهُمْ ] ) * عن الفوائد الَّتي يستفيدها المؤمنون . أو المعنى : صرف اللَّه قلوبهم عن رحمة اللَّه وعن ثوابه عقوبة لهم عن الانصراف عن الإيمان بالقرآن وعن مجلس النبيّ . وقيل : إنّه على وجه الدعاء ودعاء اللَّه على عباده وعيد لهم وإخبار بوقوع العذاب لهم بسبب أنّهم لا يفقهون خطاب اللَّه . ثمّ خاطب جميع المكلَّفين وأكّد خطابه بالقسم فقال : * ( [ لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ] ) * . عنى به محمّدا أي جاءكم رسول من جنسكم من البشر من العرب ثمّ من بني إسماعيل من نكاح لم يصبه شيء من ولادة الجاهليّة لأنّ نسب إسماعيل غير مدخول فصاعدا فنازلا وإنّما منّ اللَّه عليهم بكونه منهم لأنّهم إذا عرفوا مولده ومخبره ومنشأه وشاهدوه صغيرا وكبيرا