مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

200

تفسير مقتنيات الدرر

وعلى القولين ليس لهم أن يتخلَّفوا عن رسول اللَّه ولا يجوز لهم أن يطلبوا لأنفسهم الراحة والدعة حال ما يكون النبيّ في الحرّ والمشقّة ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه أي ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه . وبعد أن منعهم في صدر الآية عن التأخّر شرع في الترغيب لهم بذكر مثوبات الموافقة في الجهاد بأمور خمسة : أوّلها : * ( [ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ] ) * أي ذلك النهي عن التأخّر بأنّهم لا يصيبهم عطش في الجهاد * ( [ وَلا نَصَبٌ ] ) * وعناء وعيّ وتعب * ( [ وَلا مَخْمَصَةٌ ] ) * أي جوع وضمور بطن من الجوع . ولا يضعون أقدامهم ولا يضع حافر فرسه ولا يضع خفّ بعيره بحيث يصير ذلك سبيلا لغيظ الكفّار * ( [ وَلا يَنالُونَ ] ) * أعداءهم * ( [ نَيْلًا ] ) * أي أسرا أو قتلا أو هزيمة قليلا كان أو كثيرا * ( [ إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِه ِ عَمَلٌ صالِحٌ ] ) * وقربة إلى اللَّه . وفي الآية دلالة على أنّ من قصد طاعة اللَّه فقيامه وقعوده ومشيته وحركته وسكونه كلَّها حسنات مكتوبة عند اللَّه وكذا القول في طرف المعصية فما أعظم بركة الطاعة وشؤم المعصية ، وإنّ اللَّه لا يضيع أجر من أحسن ولا يضيع عمل عامل . وكذلك * ( [ وَلا يُنْفِقُونَ ] ) * في طاعة اللَّه وجهاده [ من نفقة * ( صَغِيرَةً ) * ] كانت كالتمرة فما فوقها * ( [ وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً ] ) * والوادي كلّ مفرج بين جبال وآكام يكون مسلكا للسيل * ( إِلَّا [ كُتِبَ ] ) * اللَّه * ( [ لَهُمْ ] ) * ذلك الإنفاق وذلك لمسير وكتب لهم ذلك * ( [ لِيَجْزِيَهُمُ ] ) * على أحسن الجزاء من أعمالهم وأجلّ وأفضل وهو رضاء اللَّه وثوابه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 122 ] وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 ) اعلم أنّه يمكن أن يقال : هذه الآية من بقيّة أحكام الجهاد ويمكن أن يكون كلاما مبتدءا مستأنفا لا تعلَّق له في الجهاد ، أمّا الأوّل لمّا بالغ اللَّه في تحذير المتخلَّفين عن الجهاد في غزوة تبوك قال المؤمنون : واللَّه لا نتخلَّف في غزوة من الغزوات بعد هذا ولا عن سريّة فلمّا قدم رسول اللَّه المدينة وأرسل السرايا إلى الكفّار نفر المسلمون جميعا إلى الغزو وتركوه وحده بالمدينة فنزلت الآية . المعنى : أنّه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بكلمتهم إلى الجهاد ويتركون النبيّ وحده