مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
197
تفسير مقتنيات الدرر
وأمّا عسرة الزاد فربّما مصّ التمرة الواحدة جماعة حتّى لا يبقى من التمرة إلَّا النواة وكان معهم من شعير مسوس فكان أحدهم إذا وضع اللقمة في فيه أخذ أنفه من نتن اللقمة . وأمّا عسرة الماء : قال عمر : خرجنا في قيظ شديد وأصابنا فيه عطش شديد حتّى أنّ الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه . والمراد من العسرة هذه الأمور . وبلغ الجهد بهم كادت قلوب بعضهم تزيغ وتضلّ وتميل . ومعنى الزيغ ميل القلب عن الحقّ . ولمّا اشتدّ الأمر عليهم وقعت الوساوس في قلوب بعضهم وكادوا لا يثبتون على اتّباع الرسول في الغزوة . و « كاد » عند بعضهم يفيد المقاربة فقط وعند آخرين يفيد المقاربة مع عدم الوقوع . ويمكن هذه التوبة توبة عن تلك المقاربة . قيل : كان عبد اللَّه بن خيثمة تخلَّف عن تبوك إلى أن مضى رسول اللَّه من مسيره عشرة أيّام ثمّ دخل يوما على امرأتين له في يوم حارّ في عريشين لهما وقد رتّبتاهما وبرّدتا الماء وهيّأتا له الطَّعام فقام على العريشين وقال : سبحان اللَّه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله قد غفر اللَّه ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر في الضحّ والريح والحرّ والقرّ « 1 » يحمل سلاحه على عاتقه وأبو خيثمة في ظلال بارد وطعام مهيّأ وامرأتين حسناوين ؟ اما هذا بالنصف ! ثمّ قال : واللَّه لا اكلَّم واحدة منكما كلمة ولا أدخل عريشا حتّى ألحق بالنبيّ صلى اللَّه عليه وآله فأناخ بعيره واشتدّ عليه وارتحل وامرأتاه تكلَّمانه ولا يكلَّمهما ثمّ سار حتّى إذا دنى من تبوك قال الناس هذا راكب على الطريق . فقال النبيّ : كن أبا خيثمة . فلمّا دنا قال النّاس : هذا أبو خثيمة فأناخ راحلته وسلَّم على رسول اللَّه فقال صلى اللَّه عليه وآله : أولى لك ، فحدّثه الحديث فقال له خيرا ودعا له ، وهو الَّذي زاغ قلبه للإقامة أوّلا ثمّ ثبّته اللَّه اللَّه وقبل توبته . قوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 118 ] وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّه ِ إِلَّا إِلَيْه ِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّه َ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 118 ) وقرئ خالفوا . النزول : نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن اميّة ، وذلك
--> ( 1 ) الضح : الشمس وضوؤها . والقر شدة البرد .