مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
198
تفسير مقتنيات الدرر
أنّهم تخلَّفوا عن رسول اللَّه ولم يخرجوا معه لا عن نفاق ولكن عن توان ثمّ ندموا فلمّا قدم النبيّ صلى اللَّه عليه وآله المدينة جاؤوا إليه يعتذرون إليه فلم يكلَّمهم النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وتقدّم إلى المسلمين بأن لا يكلَّموهم بهجرهم الناس حتّى الصبيان ، وجاءت نساؤهم إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله فقلن : يا رسول اللَّه نعتزلهم فقال : لا ولكن لا يقربوكنّ . فضاقت عليهم المدينة فخرجوا إلى رؤوس الجبال وكان أهاليهم يجيؤون إليهم بالطَّعام ولا يكلَّمونهم فقال بعضهم لبعض : قد هجرنا الناس ولا يكلَّمنا أحد منهم فهلَّا نتهاجر نحن أيضا ؟ فتفرّقوا ولم يجتمع منهم اثنان وبقوا على ذلك خمسين يوما يتضرّعون إلى اللَّه ويتوبون إليه فقبل اللَّه توبتهم ونزلت الآية . قوله : * ( [ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ] ) * هذه عبارة عن المبالغة في الغمّ أي ضيّق أنفسهم ضيق صدورهم * ( [ وَظَنُّوا ] ) * أي أيقنوا أنّه لا يعصمهم من اللَّه موضع يعتصمون به ويلتجئون إليه غيره تعالى ، وأن لا محيص لهم من عذاب اللَّه إلَّا التوبة * ( [ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ] ) * أي سهّل لهم التوبة حتّى تابوا وعادوا إلى حالتهم الأولى . وقيل : معناه : ثمّ تاب على الثلاثة وأنزل توبتهم على النبيّ صلى اللَّه عليه وآله « ليتوبوا » أي ليتوب المؤمنون من ذنوبهم ويعلمون أنّه سبحانه قابل التوب . قال المفسّرون : أما واللَّه ما سفكوا من دم ولا أخذوا من مال ولا قطعوا من رحم ولكنّ المسلمين تسارعوا في الشخوص مع رسول اللَّه وتخلَّف هؤلاء ، وكان أحدهم بسبب ضيعة له والآخر لأهله والآخر طلبا للراحة ثمّ ندموا وتابوا فقبل اللَّه توبتهم . قوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 119 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه َ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 119 ) لمّا حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ذكر في هذه الآية ما يكون كالزاجر عن فعل ما مضى وهو التخلَّف عن رسول اللَّه في الجهاد بقوله : * ( [ اتَّقُوا اللَّه َ ] ) * في مخالفة الرسول * ( [ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ] ) * أي مع الرسول وأصحابه في الغزوات . وهذه الآية دالَّة على فضيلة الصدق روي أنّ رجلا جاء إلى النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وقال : إنّي رجل أريد أن أو من بك إلَّا أنّي احبّ الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون : إنّك تحرّم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها بأسرها فإن قنعت بترك واحد منها آمنت بك فقال صلى اللَّه عليه وآله : اترك الكذب فقبل ذلك ثمّ أسلم ، فلمّا خرج عرضوا عليه الخمر