مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
18
تفسير مقتنيات الدرر
والحقّ أنّ هذا التفصيل والبيان ما أقر به إلى الشعوذة ! لأنّ العقل لا يتصوّر أن يسمع الإنسان كلاما ويفهم منه معنى ولا يكون الكلام صوتا ولا حرفا . وقال أبو منصور الماتريديّ : إنّ الَّذي سمعه موسى أصوات مقطَّعة وحروف مؤلَّفة قائمة بالشجرة فالصفة الأزليّة الَّتي ليست بحرف ولا صوت ما سمعه موسى عليه السّلام البتّة وهذا القول يمكن أن يتصوّره الإنسان ، وليس خارجا عن قوّة التصوّر . وقد قيل في سؤال موسى الرؤية قول آخر : وهو أنّ موسى ما عرف أنّ الرؤية غير جائزة على اللَّه . قالوا : ومع الجهل بهذا المعنى قد يكون المرء عارفا بربّه وبعد له وتوحيده ولم يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها موقوفا على السمع ولم يسمع موسى بعد . وقال أبو بكر الأصمّ : إنّ مقصود موسى من سؤال الرؤية أن يذكر تعالى من الدلائل السمعيّة ما يدلّ على امتناع رؤيته حتّى يتأكّد الدليل العقليّ بالدليل السمعيّ ، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء . وأقول : إنّ من الدلائل على امتناع الرؤية مطلقا لا في الدنيا ولا في الآخرة لا لنبيّ مرسل ولا لمؤمن صالح هو أنّ النبيّ محمّدا صلى اللَّه عليه وآله وهو أعظم الأنبياء وأكرم الخلق أجمعين إذا لم يطق أن يرى جبرئيل بصورته الأصليّة حين نزول الوحي مع هذا الأمر المهمّ وهو يتصوّر بغير صورته كدحية الكلبيّ وغيره فكيف يتمكّن البشر أن يرى اللَّه أو يرى موسى أو يرون الملائكة ؟ تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرا . على أنّ في القرآن ما يدلّ على امتناع الرؤية كقوله : « لا تُدْرِكُه ُ الأَبْصارُ » « 1 » وقوله : « لن تراني » يدلّ على أنّ موسى لا يرى اللَّه لا في الدنيا ولا في الآخرة . فإن قيل : من أين ثبت معنى التأبيد من كلمة لن ؟ فالجواب أنّ قوله : « لن تراني » يتناول الأوقات كلَّها بدليل صحّة الاستثناء ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ ونحن نرى أنّ كلمة « لن » متى استعملت أريد منها تأبيد النفي فإنّ قولنا « لا أفعل » و « لن أفعل » بين معناهما فرق بعيد و
--> ( 1 ) الانعام : 103 .