مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
184
تفسير مقتنيات الدرر
وفي هذه الآية دلالة صريحة بأنّ اللَّه عالم بالجزئيّات . قوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 106 ] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّه ِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّه ُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) قرئ « مرجون » بالهمزة وبغير الهمزة . اعلم أنّ اللَّه قسّم المتخلَّفين عن الجهاد ثلاثة أقسام : أوّلهم المنافقون الَّذين مردوا على النفاق وبقوا على نفاقهم . والثاني : التائبون وهم المرادون بقوله : « وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ » وبيّن تعالى قبول توبتهم . والقسم الثالث : الَّذين بقوا موقوفين ، وهم المذكورون في هذه الآية . والفرق بين القسم الثاني والثالث أنّ الثاني سارعوا إلى التوبة ، والثالث لم يسارعوا إليها . نزلت هذه الآية في ثلاثة : كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن اميّة وكانوا متخلَّفين عن الجهاد . قال كعب : أنا أفره أهل المدينة جملا فمتى شئت لحقت الرسول فتأخّر أيّاما وأيس بعدها من اللحوق به صلى اللَّه عليه وآله ، فندم على صنيعه وكذلك صاحباه . فلمّا قدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله قيل لكعب : اعتذر إليه من صنيعتك . فقال : لا واللَّه حتّى تنزل توبتي . وأمّا صاحباه فقد اعتذر إليه صلى اللَّه عليه وآله فقال صلى اللَّه عليه وآله : ما خلَّفكما عنّي ؟ فقالا : لا عذر لنا إلَّا الخطيئة ، فنزلت « وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا ، إلخ » فوقفهم رسول اللَّه بعد نزول الآية ونهى الناس عن مجالستهم وأمرهم باعتزال نسائهم وأرسلهنّ إلى أهلهنّ فجاءت امرأة هلال تسأل أن تأتيه بطعام فإنّه شيخ كبير فأذن صلى اللَّه عليه وآله لها في ذلك خاصّة . وجاء رسول من الشام إلى الكعب يرغَّبه في اللحوق بهم فقال كعب : بلغ من خطيئتي أن طمع فيّ المشركون ! قال : فضاقت عليّ الأرض بما رحبت وبكى هلال بن اميّة حتّى خيف على بصره . فلمّا مضى خمسون ليلة نزلت توبتهم بقوله : « لَقَدْ تابَ اللَّه ُ » وبقوله : « وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ ، إلخ » . وقوله : * ( [ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ ] ) * . وكلمة « إمّا » للشكّ واللَّه منزّه عنه والمراد منه : ليكن أمرهم على الخوف والرجاء فجعل أناس يقولون : هلكوا ، وآخرون يقولون : عسى اللَّه أن يغفر لهم . وفي هذه الآية دلالة على