مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

183

تفسير مقتنيات الدرر

قوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 105 ] وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّه ُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُه ُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) هذه الآية ترغيب عظيم للمطيعين وترهيب عظيم للعاصين أي اجتهدوا في أعمالكم فإنّ عملكم له حكم في الدنيا وفي الآخرة حكم أمّا في الدنيا فإنّه يراه اللَّه ويعلمه الرسول ويراه المؤمنون فإن كان طاعة حصل منه الثناء العظيم وإن كان معصية حصل منه الذمّ في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة . فلو قيل : إنّه في قوله : « فَسَيَرَى اللَّه ُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُه ُ وَالْمُؤْمِنُونَ » أنّ عملهم لا يراه كلّ أحد . والجواب أنّه يصل خبر عملهم غالبا إلى الناس قال صلى اللَّه عليه وآله : لو أنّ رجلا عمل عملا في صخرة لا باب لها ولا كوّة يخرج عمله إلى الناس كائنا ما كان . ولو أنّ العطف يقتضي التشريك لكنّ التسوية في كلّ مراتب الرؤية فغير لازم ، ومعلوم أنّ رؤية اللَّه غير رؤية الرسول ورؤية الرسول غير رؤية المؤمنين . و « الرؤية » إذا عدّيتها إلى مفعول واحد بمعنى الإبصار وإذا عدّيتها إلى مفعولين فمعناه العلم . فإن قيل : ما الفائدة في رؤية المؤمنين أو علمهم ؟ الفائدة أنّ المؤمنين شهداء اللَّه يوم القيامة كما قال سبحانه : « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً » « 1 » والرسول كذلك شهيد الامّة كما قال : « فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً » « 2 » والشهادة لا تصحّ إلَّا بعد الرؤية ويشهدون يوم القيامة عند حضور الأوّلين والآخرين بأنّكم أهل السداد والرشاد * ( [ فَيُنَبِّئُكُمْ ] ) * ويجازيكم بما أسررتم وأعلنتم وما عملتم من خير وشرّ . فحينئذ إذا حملت معنى الرؤية على الإبصار فيكون قوله : « وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ » معناه أنّ ما يرى منكم يتبيّن نفعه وضرره بعد الردّ إلى عالم الغيب ، وإذا حملت على العلم فيكون جملة « وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ » جاريا في مجرى التفسير لقوله : « فَسَيَرَى اللَّه ُ عَمَلَكُمْ » .

--> ( 1 ) الأولى أن يذكر بعده وهو : * ( « لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ » . البقرة : 137 . ( 2 ) النساء : 45 .