مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

17

تفسير مقتنيات الدرر

الطريق ولن تحتمل قوّتك تلك الآية فإنّى أورد على الجبل آية من تلك الآيات فإن احتمل لتجلَّيه واستقرّ فسوف تثبت أنت لها . وتحقيق القول في الرؤية ما أفاده مولى العالمين أمير المؤمنين حيث قال : لم تر ما لعيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، لا يعرف بالقياس ولا يدرك بالحواسّ ولا يشبه بالنّاس ، موصوف بالآيات ، معروف بالعلامات ، فقال : أنا لم أعبد ربّا لم أره تعالى اللَّه عمّا يصفه المشبّهون والملحدون علوّا كبيرا . وهذه الأخبار مرويّة عن أئمّتنا بطريق الخاصّة . وأمّا ما رواه العامّة فالاختلاف في المسألة كثير فزعمت الحنابلة والحشويّة أنّ الكلام المركّب من الحروف والأصوات قديم ، وهذا القول أخسّ من أن يلتفت إليه العاقل كما قال الرازيّ في المفاتيح قال : لأنّه تعالى إمّا أن يتكلَّم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب والتوالي . والأوّل باطل لأنّ هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنّما تكون مفهومة إذا كانت حروفها متوالية وأمّا إذا كانت توجد دفعة واحدة فذاك لا يكون مفيدا البتّة . والثاني يوجب كونها حادثة لأنّ الحروف إذا كانت متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأوّل فالأوّل حادث لأنّ كلّ ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والثاني أيضا حادث لأنّ كلّ ما كان وجوده متأخّرا عن وجود غيره فهو حادث . فإذا ثبت هذا البيان فللناس قولان : الأوّل أنّ محلّ تلك الحروف والأصوات الحادثة هو ذات اللَّه ، وهو قول الكراميّة . الثاني أنّ محلَّها جسم مبائن لذات اللَّه كالشجرة وأمثالها ، وهو قول المعتزلة . والقول الثاني قول أكثر أهل السنّة وهو أنّ كلام اللَّه صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات ويقولون : إنّه قديم أزلي . والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الَّذي سمعه موسى فقالت الأشاعرة : إنّ موسى سمع تلك الصفة الأزليّة وقالوا : وكما لا يتعذّر رؤية ذاته مع أنّ ذاته ليست جسما ولا عرضا فكذلك لا يبعد سماع كلامه ، مع أنّ كلامه لا يكون حرفا ، ولا صوتا .