مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
174
تفسير مقتنيات الدرر
سافروا إمّا بأن يقوموا بإصلاح مهمّات بيوتهم إلى المجاهدين فإنّ جملة هذه الأمور إعانة على الجهاد . ثمّ قال : * ( [ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ] ) * وقد اتّفقوا على أنّه دخل تحت قوله : « ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ » هو أنّه لا إثم عليه بسبب القعود عن الجهاد . واختلفوا في أنّه هل يفيد العموم في كلّ الوجوه أم لا : فمنهم من زعم أنّ اللَّفظ مقصور على هذا المعنى لأنّ هذه الآية نزلت فيهم . ومنهم من زعم أنّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب وقالوا : المحسن هو الآتي بالإحسان ، ورأس أبواب الإحسان قول : لا إله إلَّا اللَّه فكلّ من قالها واعتقد بها كان من المسلمين ومن المحسنين فهذه الآية بعمومها يقتضي أنّ الأصل في كلّ مسلم عدم توجّه الغير عليه في نفسه أو ماله أو عرضه إلَّا بدليل منفصل فتصير هذه الآية بهذا الطريق أصلا معتبرا في الشريعة في تقرير أنّ الأصل براءة الذمّة فإن ورد نصّ خاصّ يدلّ على وجوب حكم خاصّ في واقعة خاصّة قضينا بذلك النصّ تقديما للخاصّ على العامّ وإلَّا فهذا النصّ كاف في تقرير البراءة الاصليّة . وهذا تقرير أصحاب الظواهر مثل داود الإصفهانيّ وأصحابه ونفاة القياس . قوله : * ( [ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ ) * ، إلخ ] فإن قيل : أليس هؤلاء داخلون تحت قوله : « وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ » فما الفائدة في إعادته ؟ نعم فيه فرق لأنّ الَّذين لا يجدون هم الفقراء الَّذين ليس لهم النفقة وهؤلاء المذكورون في قوله : « وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ » هم الَّذين ملكوا قدر النفقة إلَّا أنّهم لم يجدوا المركوب . قال مجاهد : هم ثلاثة إخوة : معقل وسويد والنعمان بنو مقرن سألوا النبيّ صلى اللَّه عليه وآله أن يحملهم على الخفاف المدبوغة والنعال المخصوفة ، فقال صلى اللَّه عليه وآله : لا أجد ما أحملكم عليه فتولَّوا وهم يبكون قال ابن عبّاس : سألوا أن يحملهم على الدوابّ فقال : لا أجد ما أحملكم عليه لأنّ الشقّة « 1 » بعيدة والرجل يحتاج إلى بعيرين بعير يركبه وبعير يحمل عليه ماءه وزاده . قوله : * ( [ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ ] ) * لمّا نفى السبيل عن الفقراء والمرضى في الآية السابقة أثبت في هذه الآية أنّ السبيل المنفيّ عنهم ثابت في هؤلاء المنافقين
--> ( 1 ) المسافة البعيدة .