مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
171
تفسير مقتنيات الدرر
الحكمة في التكرير ؟ وهي أنّ أشدّ الأشياء جذبا للقلوب في الاشتغال بالدنيا هو الإعجاب والاشتغال بالأموال والأولاد وما كان كذلك يجب التحذير والتنبيه عليه مرّة بعد أخرى وهذا التكرير للمبالغة في التحذير . ثمّ إنّه لمّا كان أحبّ الأشياء للرجل المؤمن في المطلوبيّة الرجاء والغفران أعاد اللَّه قوله : « إِنَّ اللَّه َ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » في سورة النساء مرّتين للتصريح كذلك مع الإعجاب بالمال والأولاد هاهنا مرّتين للمبالغة والتنبيه على لزوم هذا الأمر . وقيل : التكرير أراد بالأولى قوما من المنافقين لهم أموال في وقت نزول الآية وأراد بهذه الآية أقواما آخرين ، والكلام الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام مختلفين في أوقات مختلفة لم يكن ذكره تكرارا بل يجب ذكره وقد ذكرنا أنّ الإرادة تعلَّقت بالإزهاق لا بالكفر في تفسير الآية السابقة . قوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 86 إلى 87 ] وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّه ِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِه ِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ( 86 ) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( 87 ) في هذه الآية بيان تقاعد رؤساء المنافقين عن الجهاد والسورة تطلق على تمام السورة وعلى بعضها كما أنّ القرآن والكتاب يقع على كلَّه وعلى بعضه ، أي متى نزلت آية أو سورة مشتملة على الأمر بالإيمان وبالجهاد مع الرسول استأذن أولو الثروة والمال منهم في التخلَّف عن الغزو وقالوا لرسول اللَّه : * ( [ ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ] ) * أي مع الضعفاء والساكنين في البلد وفي تخصيص اولي الطول بالذكر أنّ الذمّ لهم ألزم لكون وجود القدرة على الجهاد والسفر وأنّ من لا مال له ولا قدرة له على السفر لا يحتاج إلى الاستيذان غالبا . ثمّ عيّرهم بقوله : * ( [ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ ] ) * قال الفرّاء : الخوالف عبارة عن النساء الَّتي تخلَّفن في البيت فلا يبرحن وقد ذكرنا قبيل هذا معنى الخالف . وكان يصعب على المنافقين هذا التشبيه وعلى العرب . ثمّ قال : سبحانه : * ( [ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ] ) * ومعنى الطبع ذكر مرارا في القرآن وهو عبارة عن بلوغ القلب في الميل إلى الكفر