مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
168
تفسير مقتنيات الدرر
فلو قيل : إنّ هؤلاء المنافقين كانوا متخلَّفين لأنّهم احتالوا في التخلَّف فكان الأولى أن يقال : فرح المتخلَّفون وأجابوا بأنّ النبيّ صلى اللَّه عليه وآله منع أقواما من الخروج معه لعلمه بأنّهم يشوّشون ويفسدون فحينئذ كانوا مخلَّفين لا متخلَّفين . ثمّ هؤلاء المتخلَّفين صاروا مخلَّفين في الآية الآتية وهي قوله : « فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّه ُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا » فلمّا منعهم اللَّه من الخروج معه صاروا بسبب المنع مخلَّفين . وقوله : « بِمَقْعَدِهِمْ » قال ابن عبّاس : يريد المدينة فعلى هذا « المقعد » اسم للمكان ، وقال غيره : بمقعدهم أي بقعودهم وعلى هذا اسم للمصدر « وخلاف » قيل : معناه خلف أي بعد « رسول اللَّه » وعلى هذا الخلاف اسم للجهة المعيّنة كالخلف الَّذي يقابل القدّام في المعنى ، وأنّ الإنسان متوجّه إلى قدّامه فجهة خلفه مخالف لجهة قدّامه في كونها جهة متوجّها إليها . قوله : * ( [ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً ] ) * هذا تهديد لهم في صورة الأمر أي فليضحك هؤلاء المنافقون في الدنيا قليلا لأنّ ذلك يفنى وإن دام إلى الموت وليبكوا كثيرا في الآخرة لأنّ ذلك يوم مقداره خمسين ألف سنة وهم فيه يبكون فصار بكاؤهم كثيرا جزاء بما كسبوا من النفاق والكفر والتخلَّف عن الجهاد . قال ابن عبّاس : إنّ أهل النفاق في النار عمر الدنيا فلا يرقى لهم دمع ولا يكتحلون بنوم . وروى أنس بن مالك عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله أنّه قال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا . قوله تعالى : * ( [ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّه ُ ] ) * يا محمّد وردّك من غزوتك هذه أي غزوة تبوك إلى طائفة منهم أي من هؤلاء المنافقين الَّذين تخلَّفوا عنك وعن الخروج معك واستأذنوك للخروج معك في غزوة أخرى * ( [ فَقُلْ ] ) * لهم : * ( [ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً ] ) * إلى غزوة * ( [ وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ] ) * . ثمّ بيّن سبحانه سبب ذلك فقال : * ( [ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ] ) * أي عن غزوة