مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
108
تفسير مقتنيات الدرر
في غير أمر الدين * ( [ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ] ) * أي إلَّا أن يطلبوا منكم القتال والنصرة على قوم من الكفّار والمشركين الَّذين تعاهدتم معهم وأعطيتهم الأمان والعهد إلى مدّة فحينئذ لا يجوز أن تنصروا المؤمنين عليهم لما فيه من نقض العهد . وبالجملة إنّ الَّذين حملوا الآية في معنى الولاية على الإرث قالوا : نسخت بقوله : « وَأُولُوا الأَرْحامِ » وقالوا : الدليل على أنّ معنى الولاية الإرث ولا يجوز أن يكون بمعنى النصرة لأنّه تعالى عطف عليه قوله : « وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ » ولا شكّ أنّ ذلك عبارة عن الموالاة في الدين والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمرا مغايرا لمعنى النصرة واللَّه عليم بأفعالكم « والولاية » قرئ بكسر الواو وفتحها فمن قرءها بالفتح جعلها من النصرة والنسب ومن قرءها بالكسر بمعنى السلطان . قوله : * ( [ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ] ) * أي بعضهم أنصار بعض إذا كان الولاية بمعنى الايتراث أي بعضهم يرثون بعضا والآية تدلّ على أنّ الكافر يرث الكافر مع اختلاف مللهم لأنّهم مع الاختلاف يصدق عليهم الكفر فالمجوسيّ يرث النصرانيّ والنصرانيّ يرث اليهوديّ . ولمّا بيّن هذه الأحكام قال : * ( [ إِلَّا تَفْعَلُوه ُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ] ) * ووقوع هذه الفتنة من وجوه : الأوّل أنّ المسلمين إذا اختلطوا بالكفّار ويتناصر ويتوارث بعض الكافرين بعض المؤمنين وبالعكس فهذه المخالطة موجبة لالتحاق المسلمين بالكافرين لكثرة الكافرين . الثاني أنّ المسلمين إذا لم يتّفقوا ويتناصر والا يتبيّن جمعهم في العدّة والعدد فيصير ذلك سببا لجرأة الكفّار عليهم . وبالجملة ، ثمّ عاد سبحانه إلى بيان تعظيم شأن القسم الأوّل والثاني وهذا التكرار لبيان علوّ درجتهم وشرفهم بقوله : * ( [ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه ِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ] ) * وهم القسم الثاني ، فأثنى على القسمين بقوله : * ( [ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ] ) * فعند الحصر بقوله « هم » والمبالغة بقوله : حقّا * ( [ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ] ) * وتنكير المغفرة يدلّ على الكمال أي لهم مغفرة كاملة عن الذنوب * ( [ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ] ) * قيل : المراد طعام الجنّة لأنّه لا يستحيل