مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

3

تفسير مقتنيات الدرر

لم يتقبّل قربانك - وقيل : المعنى : بإثم قتلي وإثمك الَّذي هو قتل جميع الناس ، حيث سبّب القتل . فإن قيل : كما لا يجوز للإنسان أن يريد في نفسه أن يعصي اللَّه فكذلك لا يجوز أن يريد من غيره أن يعصي اللَّه ، فكيف قال : إنّي أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ؟ . فالجواب أنّ هذا الكلام إنّما دار بينهما عندما غلب على ظنّ هابيل أنّه يريد قتله ويقتله فوعظه ونصحه فقال له : إن كنت لا تنزجر عن قصدك فلا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلَّا إذا قتلتك ابتداء بمجرّد الظنّ وهذا منّي لا يجوز ومعصية ، فإذا دار الأمر بين أن يكون فاعل هذا المعصية أنا وبين أن يكون أنت فأنا أريد وأحبّ أن تحصل لك لا لي ومن المعلوم أنّ إرادة صدور الذنب من الغير في مثل هذه الحالة على هذا الشرط لا يكون حراما بل هو عين الطاعة ومحض الإخلاص ولا شكّ أنّه يجوز للمظلوم أن يريد من اللَّه عقاب ظالمه . * ( [ فَطَوَّعَتْ لَه نَفْسُه قَتْلَ أَخِيه فَقَتَلَه فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ] ) * أي سهّلت له نفسه وشجّعته ، وإذا أوردت النفس أنواع وساوسها وعداوتها صار الفعل سهلا عند الفاعل . وفي الآية دلالة على بطلان مذهب الجبريّة لأنّه لو كان خالق الكلّ هو اللَّه لكان ذلك التزيين والتطويع مضافا إلى اللَّه لا إلى النفس ولا ينافي مع القدر . قيل : لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيرا وضرب رأسه بحجر فتعلَّم قابيل ذلك منه ، ثمّ أنّه وجد هابيل نائما يوما فضرب رأسه بحجر فمات . قال صلى اللَّه عليه وآله : لا يقتل نفس ظلما إلَّا كان على ابن آدم الأوّل كفل - أي نصيب - من دمها وذلك أنّه أوّل من سنّ القتل فخسر دنياه وآخرته ، فأسخط والديه وبقي مذموما إلى يوم القيامة ، وأمّا الآخرة فهو العقاب العظيم . قيل : إن قابيل لمّا قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس وقال : إنّما أكلت النار قربان هابيل لأنّه كان يخدم النار ويعبدها فإن عبدت النار أيضا حصل مقصودك ، فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار . وقتل هابيل وهو ابن عشرين سنة ، وكان قتله عند عقبة حراء أو بالبصرة في موضع المسجد الأعظم .