مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
44
تفسير مقتنيات الدرر
يقال : نقمت الشيء إذا كرهته وأنكرته بكسر القاف وفتحها والفصيح : الكسر . النزول : روي أنّ نفرا من اليهود سألوا رسول اللَّه عن دينه فقال صلى اللَّه عليه وآله : أومن باللَّه وما انزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فحين سمعوا ذكر عيسى قالوا : لا نعلم أهل دين أقلّ حظَّا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرّا من دينكم فأنزل اللَّه هذه الآية بأن الإيمان باللَّه والإيمان بجميع الأنبياء ليس مما ينقم فلم تنقموه علينا ؟ * ( [ وأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ] ) * عطف علىّ « أَنْ آمَنَّا » أي خارجون أنتم عن الدين لأنكم لو كنتم مؤمنين بكتابكم الناطق بصحّة كتابنا وديننا لآمنتم به وإسناد الفسق إلى أكثرهم مع أن كلَّهم فاسقون لأنّهم الحاملون لأعقابهم على التمرّد والفساد « 1 » أو أنّ قليلا منهم آمنوا . واعلم أنّ قراءة العامّة : أنّ بفتح الألف . وقرأ نعيم بن ميسرة : « أن » بالكسر فقوله : « أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ » يدلّ على سبيل التعريض إنّهم لم يتّبعوهم فكان المعنى : وما تنقمون منّا إلَّا أن آمنّا وما فسقنا مثلكم أو يكون المراد أنّه لمّا ذكر تعالى ما ينقم اليهود عليمهم من الإيمان بجميع الرسل وليس ذلك ممّا ينقم ذكر في مقابلته فسقهم وهو ممّا ينقم ، ومثل هذا حسن في صنعة الازدواج كقول القائل : هل تنقم منّي إلَّا أنّي عفيف وأنّك فاجر وأنّي فقير وأنّك غنيّ ، ويحسن هذا المعنى على سبيل المقابلة . ويجوز أن يكون الواو بمعنى مع أي وما تنقمون منّا إلَّا الإيمان باللَّه مع أنّ أكثركم فاسقون أو يكون التقدير : وما تنقمون منّا إلَّا بأن آمنّا باللَّه وبسبب فسقكم نقمتم الإيمان علينا ، ولأجل أنّ أكثركم فاسقون تنقمونا فيكون تعليل معطوف على تعليل محذوف ، ويكون التقدير : وما تنقمون منّا إلَّا الإيمان لقلَّة إنصافكم ولأجل أنّ أكثركم فاسقون ، والمعاني كلَّها متقاربة وحاصل التقادير أنّ السبب في نقمتكم إيّانا إيماننا وفسقكم .
--> ( 1 ) فالاعقاب قبل انحرافهم عن الحق - بسبب إغواء سالفيهم إياهم - ليسوا بفاسقين ، فهم الأقلَّون في مقابل هذه الأكثرين الفاسقين . هذا ولا ريب ان الوجه الثاني أقرب .