مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

23

تفسير مقتنيات الدرر

كانوا من بعد موسى ، وذلك لأنّه كان في بني إسرائيل ألوف من الأنبياء بعثهم اللَّه لإقامة التوراة يحلَّلون حلالها ويحرّمون حرامها . فالمعنى : يقضي بالتوراة الَّذين أسلموا من وقت موسى إلى وقت عيسى ووصفهم بالإسلام لأنّ الإسلام دين اللَّه فكلّ نبيّ مسلم وليس كلّ مسلم نبيّا ولا يقال : إنّ النبوّة أعظم من الإسلام فكيف يمدح نبيّ بأنّه مسلم وما الوصف به بعد الوصف بالنبوّة إلَّا تنزّل من الأعلى إلى الأدنى ؟ فإنّه ليس الأمر كذلك بل شرف النبيّ بالإسلام والعبوديّة ، كما أنّ محمّدا صلى اللَّه عليه وآله يوصف بالعبوديّة ثمّ بالرسالة . على أنّه قد يذكر الوصف مدحا للوصف وتنويه شأن الصفة وعظم قدرها ، كما وصف الأنبياء بالصلاح والملائكة بالإيمان وقد قيل : أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف قال الشاعر : ما إن مدحت محمّدا بمقالتي لكن مدحت مقالتي بمحمّد قوله : * ( [ لِلَّذِينَ هادُوا ] ) * متعلَّق بيحكم أي يحكمون للَّذين تابوا عن الكفر . وقيل : المعنى : يحكمون لليهود بالتوراة لهم وفيما بينهم قال الزجّاج : ويجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير ، وتقدير الكلام : إنّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للَّذين هادوا يحكم بها النبيّون الَّذين أسلموا * ( [ والرَّبَّانِيُّونَ ] ) * الَّذي علت درجاتهم في العلم * ( [ والأَحْبارُ ] ) * وهم العلماء * ( [ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّه ] ) * أي بما أمروا بحفظ ذلك والقيام به وترك تضييعه فيكون المعنى : يحكمون بما حفظوه من التوراة وبالَّذي استحفظوه من جهة النبيّين وتلقّوا منهم وهو استخلاف لهم في إجراء أحكامها من غير إخلال بشيء فالباء سببيّة متعلَّقة بيحكم أي ويحكم الربّانيّون والأحبار أيضا بسبب ما حفظوه من كتاب اللَّه حسبما وصّاهم به أنبياؤهم . قال الفرّاء : مفرد الأحبار حبر بكسر الحاء يقال ذلك للعالم ، وإنّما سمّي بهذا الاسم لمناسبة الحبر الَّذي يكتب به ، وذلك أنّه يكون صاحب كتب وحبر . وقيل : حبر وحبر بالفتح والكسر من الحاء . وقال قوم : اشتقاقه من التحبير وهو التحسين في الحديث يخرج من النار ذهب حبره وسبره أي ذهب جماله وبهاؤه ، ولمّا كان العلم أحسن أقسام الفضيلة لا جرم سمّي العالم به .