مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

9

تفسير مقتنيات الدرر

قال الرازيّ : ومن الناس من قال : إنّ هذا الوعيد مختصّ بالكفّار والمرتدّين عن الإسلام حسبما شرح في نزول الآية . ومنهم من قال : إنّ هذا الحكم في قطَّاع الطريق من المسلمين ، قالوا : والَّذي يدلّ على أنّه لا يجوز حمل الآية على المرتدّين أنّ قطع المرتدّ لا يتوقّف على المحاربة ولا على إظهار الفساد في دار الإسلام ، والآية تقتضي ذلك ، وإنّما على المرتدّ القتل دون القطع ولا عليه النفي والآية تقتضي ذلك . وأيضا الآية تقتضي سقوط الحدّ بالتوبة قبل القدرة وهو قوله : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ » والمرتدّ يسقط حدّه بالتوبة قبل القدرة وبعدها والصلب غير مشروع في حقّ المرتدّ وهو مشروع هاهنا ، فوجب أن لا تكون الآية مختصّة بالمرتدّ فقوله : « إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّه ورَسُولَه ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً » يتناول كلّ من كان موصوفا بهذه الصفة سواء كان كافرا أو مرتدّا أو مسلما . وأقصى ما في الباب أن يقال : إنّ الآية نزلت في المرتدّين لكنّك تعلم أنّ العبرة بعموم اللَّفظ دون خصوص السبب . فإن قيل : إنّ المحاربة مع اللَّه غير ممكنة ومع الرسل ممكنة فلفظ المحاربة إذا نسبت إلى اللَّه كان مجازا لأنّ المراد منه محاربة أوليائه ، وإذا نسبت إلى الرسول كانت حقيقة فلفظ يحاربون في الآية يلزم أن يكون محمولا على المجاز والحقيقة معا وذلك ممتنع ! فالجواب أنّ المراد من المحاربة مخالفة الشرع والتكليف . فمعنى الآية : إنّما يكون جزاء من يخالف أحكام اللَّه وأحكام رسوله ويسعون في الأرض فسادا كذا وكذا * ( [ أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ ] ) * وفي « أو » في الآية قولان : الأوّل : الإباحة والتخيير أي إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء نفى . والقول الثاني أنّها ليست للتخيير بل للترتيب وبيان أنّ الأحكام تختلف باختلاف الجنايات فمن اقتصر على القتل قتل ، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف ، ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال نفي من الأرض . وهذا قول الأكثرين وهو المرويّ عن أبي جعفر وأبي عبد اللَّه عليهما السّلام . « 1 »

--> ( 1 ) الروايات واردة على طبق كلا القولين فمما يدل على الأول رواية العياشي والشيخ عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : من شهر السلاح . . . وأمره إلى الامام ان شاء قتله وصلبه وان شاء قطع يده ورجله ، الاستبصار « ج 4 : 257 » ومما يدل على الثاني ما رواه الشيخ مسندا عن عبيد اللَّه المدائني عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : . . . فعقده بيده ثم قال : يا عبد اللَّه خذها أربعا بأربع ، الاستبصار « ج 4 : 256 » .