العظيم آبادي

131

عون المعبود

للجواز ، وأما من زعم النسخ أو الضعف فقد غلط غلطا فاحشا . وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بينهما لو ثبت التاريخ ، وأنى له بذلك وإلى القول بالضعف مع صحة الكل . قلت : وكذلك سلك آخرون في الجمع بحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه ، وأحاديث الجواز على بيانه ، وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين . قال الحافظ : وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض . وقال الحافظ ابن القيم في حاشية السنن وقد خرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما . وفيه أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ( لا يشربن أحد منكم قائما فمن نسي فليستقئ ) ) . وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : ( ( سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم ) ) . وفي لفظ آخر ( ( فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير ) ) . فاختلف في هذه الأحاديث فقوم سلكوا بها مسلك النسخ وقالوا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرب قائما كما شرب في حجة الوداع ، وقال طائفة في ثبوت النسخ بذلك نظر ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعله شرب قائما لعذر ، وقد حلف عكرمة أنه كان حينئذ راكبا . وحديث على قصة عين فلا عموم لها . وقد روى الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي عمر عن جدته كبشة قالت : ( ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت قربة معلقة فشرب قائما فقمت إلى فيها فقطعته ) ) وقال الترمذي حديث صحيح ، وأخرجه ابن ماجة وروى أحمد في مسنده عن أم سليم قالت : ( ( دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت قربة معلقة فشرب منها وهو قائم فقطعت فاها فإنه لعندي ) ) فدلت هذه الوقائع على أن الشرب منها قائما كان لحاجة لكونه القربة معلقة ، وكذلك شربه من زمزم أيضا لعله لم يتمكن من القعود لضيق الموضع أو الزحام وغيرها . والجملة فالنسخ لا يثبت بمثل ذلك . وأما حديث ابن عمر ( ( كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام ) ) رواه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه ، فلا يدل على النسخ إلا بعد ثلاثة أمور مقاومة لأحاديث النهي في الصحة وبلوغ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتأخره عن أحاديث النهي ،