مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

27

تفسير مقتنيات الدرر

عن استبدال متاع الدنيا بما كتموا أي أخذوا بدله * ( [ ثَمَناً قَلِيلًا ] ) * وشيئا قليلا من حطام الدنيا وهو ما تناولوه من سفلتهم ومن الرواتب من ملوكهم وكرهوا أن يؤمنوا بمحمّد صلى اللَّه عليه وآله فينقطع ذلك عنهم فكتموا ما علموا * ( [ فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ] ) * والمخصوص بالذمّ محذوف أي بئس شيء يشترونه ذلك الثمن . والآية وإن كانت نازلة في حقّ الَّذين كانوا يخفون الحقّ في أمر محمّد صلى اللَّه عليه وآله إلَّا أنّ حكمها يعمّ من كتم من المسلمين أحكام القرآن الَّذي هو أشرف الكتب وأنّهم أشرف أهل الكتاب لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وكلّ من لم يبيّن الحقّ للناس وكتم شيئا من أحكام القرآن أو غيّر وحرّف حكما دخل تحت وعيد الآية قطعا . قال فضيل بن عياض : لو أنّ أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحّوا على دينهم وأعزّوا العلم وأنزلوه حيث أنزله اللَّه لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس ، ولكنّه أذلَّوا أنفسهم ولم يسألوا ما نقص من دينهم إذا سلمت دنياهم فذلَّوا وهانوا على الناس . وقال الفضيل : بلغني أنّ الفسقة من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان فيقولون : ربّنا ما بالنا ؟ فيقول اللَّه : ليس من يعلم كمن لا يعلم . حكي أنّ ذا القرنين اجتاز على قوم تركوا الدنيا وجعلوا قبور موتاهم على أبوابهم يقتاتون بنبات الأرض ويشتغلون بالطاعة فأرسل ذو القرنين إلى رئيسهم فقال : مالي حاجة إلى صحبة ذي القرنين فجاء ذو القرنين فقال : ما سبب قلَّة الذهب والفضّة عندكم قال : ليس للدنيا طالب عندنا فجعلنا القبور على أبوابنا حتّى لا ننسى الموت ثمّ أخذ قحف إنسان وقال : هذا رأس ملك من الملوك كان يظلم الرعيّة ويجمع حطام الدنيا فقبضه اللَّه وبقي عليه السيّئات ثمّ أخذ آخر وقال : هذا رأس ملك عادل مشفق فقبضه وأسكنه جنّته ثمّ وضع يده على رأس ذي القرنين وقال : من أيّ الرأسين يكون رأسك فبكى ذو القرنين وقال له إن رغبت في صحبتي شاطرتك مملكتي وسلَّمت إليك وزارتي ، فقال : هيهات ، فقال ذو القرنين : ولم قال : لأنّ الناس أعداؤك بسبب المال وأحبابي بسبب القناعة . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 188 إلى 189 ] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 188 ) وَلِلَّه ِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاللَّه ُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 189 )