مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
23
تفسير مقتنيات الدرر
وبالجملة ردّ اللَّه عليهم هذه الشبهة بقوله : * ( [ قُلْ ] ) * لهم يا محمّد : * ( [ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ ] ) * كثيرة العدد كبيرة المقدار * ( [ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ ] ) * والمعجزات الواضحة * ( [ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ ] ) * بعينه من القربان الَّذي تأكله النار * ( [ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ] ) * في أنّكم تؤمنون لرسول يأتيكم بقربان تأكل النار فإنّ زكريّا ويحيى وغيرهما من الأنبياء قد جاؤكم بما قلتم فلم قتلتموهم ولم تؤمنوا لهم ؟ و « القربان » البرّ الَّذي يتقرّب به إلى اللَّه وأصله المصدر كالكفران والخسران ثمّ سمّي به نفس المتقرّب به ومنه قوله صلى اللَّه عليه وآله لكعب بن عجرة : يا كعب الصوم جنّة والصلاة قربان . أي بها يتقرّب إلى اللَّه ويستشفع في الحاجة لديه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 184 ] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 184 ) . أي فإن كذّبوك في نبوّتك فطالما كذّبوا رسلا من قبلك وأنكروهم مثل نوح وهود وصالح وإبراهيم وشعيب بل قتلوهم مثل يحيى وزكريّا ، والمقصود تسلية رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وبيان أنّ هذا التكذيب ليس أمرا مختصّا به بل شأن جميع الكفّار تكذيب الأنبياء وهم صبروا على ما نالهم فكن متأسّيا سالكا طريقتهم لأنّ المصيبة إذا عمّت طابت وخفّت . وأمّا البيّنات فهي الدلائل والمعجزات وأمّا الزبر فهي الكتب وهي جمع « زبر » بمعنى المزبور أي المكتوب . قال الزجّاج : الزبور كلّ كتاب ذي حكمة . وعلى هذا فالأنسب أن يكون معنى الزبور من الزبر الَّذي هو الزجر يقال زبرت الرجل إذا زجرته عن الباطل وسمّي الكتاب زبورا لما فيه من الزبر عن خلاف الحقّ وبه سمّي زبور داود لكثرة ما فيه من الزواجر والمواعظ و « المنير » الموضح . ومن المعلوم أنّ المواعظ الحسنة والزواجر المصلحة تطهّر النفس من الصفات الرذيلة بشرط أن يكون الإنسان خاليا عن العناد والإصرار حتّى يرى الحقّ حقّا والباطل باطلا فحينئذ يهتدي بسراج الشريعة وعلامة اهتدائه انقطاعه عن ميل الدنيا واتّباع الهوى .