مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
58
تفسير مقتنيات الدرر
الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ، الآية » « 1 » فقلّ من يشربها وقالوا : لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة وشربها قوم في غير حين الصلاة حتّى كان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر ويشرب بعد الصبح فيصحّوا إذا جاء وقت الظهر . ثمّ اتّخذ عتبان بن مالك ضيافة ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقّاص وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتّى سكروا ثمّ إنّهم تناشدوا الأشعار وانتسبوا وافتخروا فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار وفخر لقومه ، فأخذ رجل لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجّه موضحة « 2 » فانطلق سعد إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وشكا إليه الأنصاريّ فنزل « إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ » في المائدة إلى قوله : « فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » فقالت الصحابة : انتهينا يا ربّ . وحرّمت الخمر في السنة الثالثة من الهجرة بعد غزوة الأحزاب بأيّام . قال القفال المروزيّ : والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أنّه تعالى علم أنّ القوم كانوا ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بها كثيرا فلو منعهم دفعة واحدة يشقّ عليهم فلا جرم استعمل في التحريم هذا الرفق « 3 » . ثمّ لمّا نزل التحريم أريقت الخمر قال ابن عمر : ولقد غودرت أزقة المدينة بعد ذلك حينا كلَّما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها وحرمت ولم يكن للعرب يومئذ عيش أعجب منها وما حرّم اللَّه عليهم شيئا أشدّ من الخمر . وفي روح البيان : روي أنّ جبرئيل عليه السّلام قال للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ اللَّه تعالى شكر لجعفر الطيّار أربع خصال كان عليها في الجاهليّة وهو عليها في الإسلام ، فسأل النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله جعفرا عن ذلك فقال : يا رسول اللَّه لولا أنّ اللَّه اطَّلعك عليها لما أخبرتك بها : ما شربت الخمر قطَّ ، لأنّي رأيتها تزيل العقل وأنا إلى أن أزيد فيه أحوج منّي إلى أن أزيله ، وما عبدت صنما قطَّ لأنّي رأيته لا يضرّ ولا ينفع ، وما زنيت قطَّ لغيرتي على
--> ( 1 ) النساء : 43 . ( 2 ) الموضحة من الشجاج ما يوضح فيها عظم الرأس . ( 3 ) وبه رواية في الكافي . البرهان ( 1 : 211 - 212 ) .