مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

4

تفسير مقتنيات الدرر

كبيرة ، والصغائر ربّما أهلكت صاحبها كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله : « إيّاكم ومحقّرات الذنوب » فإنّ مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض فجاء كلّ واحد بعود حطب حتّى أوقدوا نارا عظيمة وطبخوا وشبعوا . فإذا عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة الخامسة وهي اشتغاله بالمباحات الَّتي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عقابها فوات الثواب الَّذي فات عليه باشتغاله بها . فإن عجز عن ذلك انتقل إلى المرتبة السادسة وهي أن يشغله بالعمل المفضول عمّا هو أفضل منه لينزع عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيجرّه من الفاضل إلى المفضول ومن الأفضل إلى الفاضل ليتمكّن من أن يجرّه من الفاضل إلى الشرور ، وربّما يجرّه من الفاضل السهل إلى الأفضل الأشقّ كمائة ركعة بالنسبة إلى ركعتين ليصير ازدياد المشقّة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلَّيّة . وإنّما خلق اللَّه إبليس ليتميّز الخبيث من الطيّب وخلق اللَّه الأنبياء ليقتدي بهم السعداء فإبليس دلَّال وسمسار على النار وبضاعته الدنيا . قال بعض المفسّرين : الحلال الطيّب ما لا سؤال فيه يوم القيامة وهو ما لا بدّ فيه قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ اللَّه يهب لابن آدم ما لا بدّ منه ثوب يواري به عورته ، خبز يردّ به جوعته ، وبيت كعشّ الطير فقيل : يا رسول اللَّه فكيف الملح ؟ فقال : الملح ممّا يحاسب به . وفي التأويلات النجميّة : الحلال ما أباح اللَّه أكله والطيّب ما لم يكن مشوبا بشبهة حقوق الخلق ولا بسرف حظوظ النفس ولهذا قال صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ اللَّه طيّب ولا يقبل إلَّا الطيّب ، يعني غير مشوب بعيب أو شبهة . وأكل الحلال الطيّب يورث القيام بطاعة اللَّه والاجتناب عن خطوات الشيطان فالعمل الصالح نتيجة اللقمة الطيّبة وبالعكس . وفي كسب الحلال فوائد كثيرة وهو سنّة الأنبياء : منها اشتغال المكتسب بالكسب عن البطالة واللهو . ومنها : كسر النفس عن الطغيان . إنّ الفراغ والشباب والجدة « 1 » مفسدة للمرء أيّ مفسدة ومنها : أنّ الكسب واسطة الأمان من الفقر ولا يتحرّك الرجل للكسب لأجل نفقته

--> ( 1 ) الجدة : الثروة والمال .